مدرسة يوسف الصديق

شعار موقع بصرى الشام

كنت قد استمعت إلى مقطع صوتي يتحدث عن رجل أمريكي؛ يدعى تشارلز مانسون، كان قد ادعى انه المسيح عليه السلام كثر اتباعه؛ إلى أن جاء اليوم الذي قتل أتباعه فيه المخرج السينمائي رومان بولانسكي، وزوجته الممثله شارون تيت؛ وذلك في فترهطة ستينيات القرن الماضي. حكم عليه أولاً بالإعدام؛ لتحريضه على القتل، ثم خفف عنه الحكم بعد أن ألغي في كاليفورنيا حكم الإعدام. فنال السجن المؤبد في 29 اذار 1971.

كان قد قال في خضم سير مجريات المحكمة: “هؤلاء الأطفال الذين يأتون إليكم بالسكاكين؛ هم أطفالكم! أنت من علمهم ذلك، ليس أنا. لقد حاولت فقط مساعدتهم على الوقوف. معظم الأشخاص الذين تسمونهم العائلة؛ كانوا مجرد أشخاص لا تريدونهم! إذا كنا قتلة؛ فمن قتلناهم أقل بكثير مما قتلتهم آلة نيكسون الحربيه في فيتنام.”

ثم أتبع كلامه بالقول: “لا يمكنني الحكم على أي أحد منكم، ليس لدي أحقاد ضدكم؛ لكن أعتقد أن الوقت قد حان لأن تبدأوا و جميعا بالنظر إلى أنفسكم والحكم على الكذبة التي تعيشونها.”

فختم حديثه قائلاً: “والدي هو السجن، والدي هو نظامك، أنا فقط الشخص الذي صنعتموه! انا مجرد إنعكاسٍ لنظامك. تريد قتلي؟ ها أنا ميت بالفعل. لقد أمضيت ثلاثةً وعشرين عاماً في المقابر (يعني السجون) التي بنيتموها.”

مع الاخذ بعين الاعتبار طغيان وإجرام هذا الشخص؛ إلا أنا ما شدني إلى حكايته هو فلسفتة العميقة عن السجن. يقول في مقابلةٍ له مع إحدى الصحف حيث مكان إقامته في السجن: “السجن مجرد فكرةٍ في أذهاننا جميعاً، محبوسون في سجوننا الخاصة، وكلٌّ منا سجانٌ لنفسه، ويقضي كلٌّ منا محكوميته.

السجن موجودٌ في عقلك فحسب، ألا ترى أنني حر؟ يجيبه المقدم: لا تبدو أنك حر! يرد تشارز: ولا أنت! تبدوا مثل تركيبةٍ، أخبرك شخص ما أن تكونها، نعيش من أجل أشخاصٍ آخرين. تعلوا ملامح الألم وجهك، وتتسائل إن كنت تبدوا بخير!

بعيداً عن ذلك بقدر ماهو قريب من فحوى موضوعنا، يذكرني ذلك بقول شيخ الإسلام إبن تيمية رضي الله عنه -وحاشا لشيخ الإسلام أن أضعه في نفس الفقرة مع هذا المجرم؛ لكن لورود الحادثة بالحادثة-: «ماذا يفعل أعدائي بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري، أينما ذهبت فهي لا تفارقني. إن في سجني خلوة، وفي قتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.»

نرى نبي الله يوسف -عليه السلام-، تأتي إليه إمرأة العزيز بكامل جمالها وعزها وملكها، تراوده عن نفسه؛ فيأبى، تتذلل أمامه كما تتذلل الجارية أمام سيدها، ولا كأنها هي السيدة وهو العبد انا، وهو يرفض ويبدي السجن على مجاراتها في ما حرم الله، ويقول: [ربي السجن احب الي مما يدعونني إليه].

بعد قرون مديده.. يأتي الإمام أحمد بن حنبل، ليقول له المعتصم بالله الخليفة العباسي: أن قل كلمةً واحدةً؛ أخلصك بها من هذا العذاب، ومن ظلمات السجن ووبال عاقبته؛ لكن الإمام يأبى ذلك، ويختار السجن على مخالفة أوامر الله -جل جلاله-، هذا وهو الشيخ الكبير الصائم المحتسب، ولو أطاعهم ما لامه أحد؛ لما قدمه من شيء يشفع له به عند ربه.

ثم بعد عدة قرون أخرى، وعصور متباعدة، هناك في أقصى جنوب إفريقيا، ذلك البلد ذو الجغرافيا الإفريقية، والوجه الاوروبي، بلد خرقته سرطان العنصرية؛ كما ضربت هذه الموجة الكثير من البلدان الغربية! يناضل فيها رجل أسود البشرة، معدوم الحرية، مسلوب الحقوق، محمل بأثقال من التكاليف المرهقة؛ يمكث في السجن مع قرابة سبعة وعشرين عاماً، متنقلاً بين سجن روبن آيلند، ثم سجن  بولسمور، ثم سجن فيكتور فيرستر. يبرهن على تجربته المريرة تلك بالقول: “لا شيء يبعث على الرضا في السجن؛ سوى شيء واحد؛ هو توفر الوقت للتأمل والتفكر.”

ولقد كان الإمام سعيد النورسي الكردي -رحمه الله- يصف السجن “بمدرسة يوسف عليه السلام”، فهو الذي كان زبوناً دائماً فيه! فإذا خرج منه أُرسل إلى المنفى، كسائر العلماء الأجلاء والأئمة الأولياء الصالحين.

شارك عبر
جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
1
0
أضف تعليقx
()
x