ماذا يحدث في أفريقيا؟

أفريقيا تلك الحاضرة الغائبة المغيبة التي لا تكاد تسمع عنها إلا النذر اليسير، حتى لو حاولت البحث فإنك لن تجد الكثير عما يحدث فيها، فقط معلومات شحيحة متضاربة متناقضة, وهو ما دفعتني للبحث لعلى أصل لنتيجة,

لن أقدم أرقاما واحصائيات بل قراءة وتحليل.

يقول وزير الخارجية البريطاني السابق وليم هيغ: “ما لم نتكيف بسرعة مع التغيرات في أفريقيا، فسوف تصبح كارثة الأمن القومي لهذا القرن، وستجعل من افغانستان قضية هامشية”

لعله أصدق وأخطر تصريح يصدر عن مسؤول سابق لإحدى أهم دول الغرب (بريطانيا التي تصوغ سياسات العالم)، فقد دق ناقوس الخطر وحذر من التهديد القام من أفريقيا. 

“ما لم نتكيف بسرعة مع التغيرات في أفريقيا، فسوف تصبح كارثة الأمن القومي لهذا القرن، وستجعل من افغانستان قضية هامشية”

وزير الخارجية البريطاني السابق وليم هيغ
تنظيم الدولة الإسلامية في إفريقيا

تنظيم الدولة في أفريقيا كان حدثا مفصليا لا يعرف كيف كانت بدايته، هل بدأ على يد خلايا من الشام والعراق، ربما لكن الثابت أن هناك جماعات تأثرت بمسيرة وانتصارات وانجازات التنظيم فبايعت كما حدث مع أنصار بيت المقدس في سيناء.

في نيجيريا كانت النشأة من بوكو حرام رغم معارضة أبو بكر شياكو، والذي قيل إنه قتل نفسه ليخلفه أبو مصعب البرناوي. عرفت المنطقة الشرقية من جمهورية الكونغو الديمقراطية بأنها معقلا لنشاط المتمردين، وهو ما ينطبق على جيرانها في رواندا وبروندي وأوغندا, حيث كان تحالف القوى الديمقراطية الناشط في أوغندا من بين أكثر المجموعات نشاطا في المنطقة فقد تأسست هذه الجماعة الإسلامية في تسعينيات القرن الماضي. أما بعد ظهورها في الكونغو، فقد اتخذ نشاطها طابعا جهاديا عالميا، وأصبحت تشن هجماتها باسم تنظيم الدولة الإسلامية.

بعد هزيمة التحالف على يد الجيش الأوغندي في عام 2001، انتقل إلى مقاطعة شمال كيفو في الكونغو، وبعد فترة من النشاط المحدود، عاد تحالف القوى الديمقراطية للظهور عام 2014 بمجموعة من الهجمات، وبعد فترة من النشاط المحدود، عاد تحالف القوى الديمقراطية للظهور عام 2014 بمجموعة من الهجمات، تسلم موسي سيكا بالوكو قيادة التحالف عام 2015، بعد القبض على سلفه جميل موكولو. ليقوم بالكو عام 2016، بإعلان الولاء لتنظيم الدولة الإسلامية.

تنظيم الدولة الإسلامية لم يعترف بنشاط التحالف في المنطقة حتى أبريل/ نيسان من العام 2019، بعد تبني هجوم واسع على مواقع للجيش قرب حدود أوغندا، كان هذا الإعتراف بمثابة الإعلان عن “ولاية وسط أفريقيا” التابعة للتنظيم، والتي ضمت موزمبيق لاحقا، أبرز الهجمات حتى الآن كان في أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2020، عند اقتحام سجن “بيني” وتحرير أكثر من ألف سجين.

و في موزنبيق يسمون أنفسهم الشباب (بايعوا تنظيم الدولة عام 2019)، موزنبيق دولة الغاز والزمرد إحدى أهم دول أفريقيا بالنسبة للغرب حيث مناجم الأحجار الكريمة ومشاريع النفط والغاز واستثمارات بعشرات ملايين الدولارات دفعت الحكومة والتخالف لاستئجار محموعات من المرتزقة على عجل، من شركة فاغنر وشركة دايك للإستشارات الأمنية، لتقوم الولايات المتحدة أيضا بافتتاح مراكز تدريب وارسال ضباط ومدربين من المارينز، البرتغال أيضا أرسلت العشرات من المدربين لمستعمرتها السابقة، وهو ما يبدو سباقا محموما مع الزمن لتشكيل قوات يمكنها التعامل مع خطر الجهاد الإسلامي المتصاعد في معظم دول القارة الأفريقية.


هجوم بالما الساحلية

هجوم بالما الساحلية شمال شرق موزنبيق كان صاعقا حيث تقع بالما بالقرب من مشروع غاز كبير تديره شركة الطاقة الفرنسية العملاقة توتال، بعد انقلاب مالي أعلنت فرنسا (ماكرون) أنها ستسحب قواتها من مالي مالم يقم الإنقلابيون بتسليم السلطة.
رد الإنقلابيين كان صاعقا حيث أعلنوا أنهم سيفاوضون الجماعات الجهادية، لتعلن فرنسا بعدها العدول عن قرار الإنسحاب الكي هددت به وهو ما يفسر العقلية الإستعمارية للغرب وعلى رأسه فرنسا التي تعمل جاهدة لحشد تحالف دولي يعمل في أفريقيا ويكون تحت قيادتها.

هجوم بالما الساحلية شمال شرق موزنبيق كان صاعقا حيث تقع بالما بالقرب من مشروع غاز كبير تديره شركة الطاقة الفرنسية العملاقة توتال.

يعتمد تنظيم الدولة الإسلامية اليوم في توسعه على تحالفات مع المجموعات الإقليمية التي تشاركه في الفكر والرؤية، الأمر اللافت هو استغناء التنظيم عن الإنترنت للتجنيد والدعاية لنفسه في أفريقيا والإستعاضة عن ذلك بوجوده الفعلي على الأرض حيث الفقر والحاجة والظلم والتهميش هو السائد، وقد ساعده على ذلك إنشاء مؤسسات حكم كالشرطة و الحسبة وغيرها، وبهذا يكون قد حيد الجهود المحمومة التي يشنها التحالف الدولي على التنظيم وأنصاره حول العالم.

لقد نجح التنظيم في أفريقيا بتفادي الكثير من المطبات والأخطاء التي وقع فيها سابقا، حيث يبدو اليوم أكثر ثباتا واصرارا وتحديا وهو ما يمكن ملاحظته بوتيرة عملياته المؤلمة والمتصاعدة، نشوء التنظيم كان له أسباب وعوامل كثيرة منها: نشأ في المناطق المهمشة والفقيرة، تجاوزات القوات الحكومية، تجاوزات قوات الأمم المتحدة من اغتصاب وتعديات على حقوق البسطاء.

تنظيم الدولة اليوم يتواجد في معظم دول أفريقيا ويعمل على وضع بصمتة حتى في الدول التي لا وجود له فيها، فهو يتواجد في نيجيريا، النيجر، الكاميرون، تشاد، موزنبيق، رواندا، بروندي، الكونغو ومالي.

تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا

في ليبيا كان حضور التنظيم لافتا إلى أن استنزفت فصائل الثورة من خلال اشغالها بحرب مع التنظيم، فقد أسس التنظيم أول وجود رئيسي له في مدينة درنة الشرقية ذات التقاليد الإسلامية المحافظة، وفي أكتوبر / تشرين الأول عام 2014 أعلنت جماعة أنصار الشريعة التي كانت مرتبطة بتنظيم القاعدة وسيطرت على أغلب مدينة درنة مبايعتها تنظيم الدولة الإسلامية. وبايعت التنظيم أيضا عناصر من أنصار الشريعة في أجزاء أخرى في شرق ووسط ليبيا، كما شكل جهاديون عائدون من سورية مع كتيبة البتار الليبية جزءا من نواة التنظيم في ليبيا.

تمدد التنظيم في عدد من المناطق شرق ليبيا منها بنغازي ثاني أكبر مدينة، وأجدابيا القريبة من بعض مرافئ تصدير النفط الليبي، تمدد التنظيم في عدد من المناطق شرق ليبيا منها بنغازي ثاني أكبر مدينة، وأجدابيا القريبة من بعض مرافئ تصدير النفط الليبي، مع بدايات العام 2015 فرض التنظيم سيطرته على مدينة سرت مسقط رأس معمر القذافي، ليتمدد بعد ذلك على شريط ساحلي يبلغ طوله حوالي 250 كيلومترا على جانبي المدينة، ثم تمدد في أجزاء من الصحراء جنوب ليبيا وأنشأ خلايا في مراكز حضرية في شمال غرب ليبيا منها العاصمة طرابلس.

مدينة صبراتة الساحلية في أقصى الغرب أصبحت مركزا مهما لعناصر التنظيم التونسية, كما يمكن ملاحظة وجود قيادات وعناصر أوفدها التنظيم منها العراقي وسام عبد الزبيدي المعروف بأبي نبيل الأنباري وهو أحد الولاة في تنظيم الدولة الإسلامية. وقد وصل إلى ليبيا عام 2014 لقيادة العمليات هناك وقتل في ضربة جوية أمريكية في درنة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015. ليخلفه السعودي عبد القادر النجدي كما قام التنظيم بتعيين قيادات ليبية قتل عدد منها في معركة سرت.في الوقت الذي تم فيه التضييق على التنظيم وأنصاره على الإنترنت ووسائل التواصل اعتمد التنظيم اسلوب الحضور على الأرض للدعوة واستمالة الناس من خلال اعادة حقوقها وتوزيع الغنائم وكف يد القوات الحكومية وميليشياتها المحلية التي أصبحت تتحاشى مناطق سيطرة ووجود التنظيم وتتمركز في معسكرات محصنة. 

المراكز البحثية إحدى أهم الجهات التي تصدت لما يمثله تنظيم الدولة والجماعات الإسلامية من خطر وجودي على النظام العالمي السائد. 

منظمة أو مؤسسة راند،
واحدة من أهم تلك المراكز وأكثرها وضوحا وصراحة حيث تقدم التحليلات وتقوم السياسات وتضع الحلول والتصنيفات للمسلمين (متشدد، أقل تشدد، معتدل، ليبرالي) وطرق استمالة شرائح منهم واستخدامها ضد شرائح أخرى، وتشرح طرق وأساليب الحرب من الدحر العنيف (المواجهة المباشرة) إلى الدحر الخفيف (استخدام أدوات محلية ودعمها).

في دراسة لمركز مالكوم كير – كارنيجي الشرق الأوسط يقول: استراتيجية تنظيم الدولة الإسلامية: (باقية وتتمدُ)
لقد كان صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية مؤشراً على بدء حقبة جهادية جديدة. فقد أعلن عن هدف بعيد المدى، هو إقامة دولة إسلامية، أو خلافة، تستند إلى اجتهادات متطرفة للغاية في الشريعة، ماجعله أكثر من مجرد تنظيم إرهابي، على الرغم من أن أصوله ترقى إلى كونه فرعاً من تنظيم القاعدة في العراق.
المفتاح الرئيس لفهم حقيقة الأهداف بعيدة المدى لتنظيم الدولة الإسلامية يكمن في شعاره “باقية وتتمدّد”. بيد أن هذا لايعني، ببساطة، مجرّد التوسُّع الجغرافي غير المحدّد للحدود المادية للخلافة، بل أيضاً توسيع النفوذ العالمي بهدف تعزيز قابلية مشروع الدولة للبقاء والاستمرار. (انتهى الإقتباس)

المفتاح الرئيس لفهم حقيقة الأهداف بعيدة المدى لتنظيم الدولة الإسلامية يكمن في شعاره "باقية وتتمدّد". بيد أن هذا لايعني، ببساطة، مجرّد التوسُّع الجغرافي غير المحدّد للحدود المادية للخلافة، بل أيضاً توسيع النفوذ العالمي بهدف تعزيز قابلية مشروع الدولة للبقاء والاستمرار. (انتهى الإقتباس)
ثلاث حروب وعمليات عسكرية كبرى
أسستها وقادتها فرنسا في أفريقيا للحرب على الجهادييين

ثلاث حروب وعمليات عسكرية كبرى أسستها وقادتها فرنسا في أفريقيا للحرب على الجهادييين عموما وتنظيم الدولة على وجه الخصوص هي: قوة سرفال في الشهر الأول من عام 2013 وقوة برخان في الشهر الثامن من عام 2014 وقوة تاكوبا في الشهر الثالث من عام 2020. لا يبدو أنها قد أثمرت عن أي نتائج أو نجاح يذكر, فتمدد التنظيم في القارة الأفريقية يسير على قدم وساق وينقل الصراع لأبعاد جديدة متسارعة لا يبدو أن التحالف الدولي قد استعد لها, حيث يمكننا ملاحظة المساعي الحثيثة لعقد مؤتمرات للتحالف الدولي أخرها مؤتمر روما الذي خصص تحديدا لمواجهة تحدي التنظيم في أفريقيا, حيث أوصى بالتخلص من الملفات العالقة وتوحيد الجهود ورصد الأموال اللازمة.

لا يمكن بحال من الأحوال فصل الإنسحاب الأمريكي عن مجمل ما يحدث في أفريقيا, حيث من المرجح نقل بضعة آلاف من الجنود الأمريكيين لمراكز وقواعد عسكرية متقدمة في أفريقيا, وذلك بالتوازي مع زيادة فرنسا عدد موظفيها الأمنيين والعسكريين لأكثر من الضعف وذلك على خلفية قيادتها لجهود التصدي للجماعات الجهادية في أفريقيا.

ما زال من المبكر معرفة ما إذا كانت الدول العربية المغاربية وعلى رأسها الجزائر, ستقوم بإرسال قوات للمشاركة في جهود الحرب على تنظيم الدولة ولايات إفريقيا من عدمه, لكنها بكل الأحوال أعضاء فاعلون في التحالف يتحركون وفق ما تقتضيه ظروف الحرب التي تقودها فرنسا ومن خلفها الولايات المتحدة التي ستبقى اللاعب الرئيسي والقائد ولكن من خلف ستار وبشكل غير مباشر.

شاهد الآن: ماذا يحدث في أفريقيا؟ كلام تسمعونه لأول مرة!
شارك عبر

كاتب وباحث سياسي سوري, منافح عن عقيدته غيور على أمته فخور بعروبته, من أوائل الذين إنخرطوا في العمل الثوري ضد نظام الأسد, شاركت في تأسيس العديد من الهيئات والإتحادات الثورية السورية, كتبت للعديد من المواقع والصحف السورية والعربية, كما انني شاركت بعشرات المداخلات التلفزيونية والإذاعية على الجزيرة وغيرها من المحطات التلفزيونية والإذاعية.

جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
0
أضف تعليقx
()
x