المعمم وسرير الماء

في أوائل الشهر التاسع من العام 1979 أرسل جميل الأسد رئيس جمعية المرتضى رجل دين إيرانيا إلى مدينة دير الزور، وتحديداً إلى قرية ((حطلة )) المحاذية للمدينة…
حطلة بها بيوتات لروافض قدموا من كوفة العراق مع قافلة حطت في دير الزور تسنن معظمهم في العصر العثماني إلا تلك البيوتات في حطلة.


كان الجو في أجمل أيامه؛ حيث يطيب الهواء، ويعذب الماء… قليلون من علموا بمجيء رجل الدين الرافضي إلى حطلة، وماجرى له..


احتفى به أحد وجهاء حطلة احتفاء كبيراً، وبعد سهرة العشاء والسلام عليه من قبل شيعة حطلة وانفضاضهم إلى بيوتهم اقترح المحتفي على ضيفه أن يفرش له على سرير خشبي قرب النهر، وأقنعه أنه لن ينسى عذوبة الليل والفجر، وأوصاه أن يحتاط لبرودة الفجر…أحس الشيخ أنه ينام في الجنة، فغطّ في نوم عميق…

في الصباح، وقبل أن تصل الشمس إليه، نهض المضيف ليوقظه…خرج من باب داره ثم توقف…لم يكن يرى شيئاً…كذّب نفسه…تقدّم أكثر…صُدم، ذهل ، وأحس بدوار خفيف… لايوجد شيء بالمكان لا الشيخ ولا السرير.. انعقد لسانه… راح يصيح على أبنائه الأربعة بلسان مرتجف متلعثم … أولاده يغطون في سبات عميق.. قدماه لا تساعدانه على الجري… سارع خطوه… تعالى صراخه رويداً رويداً…فزّ الأولاد مذعورين…انطلقوا مع أبيهم..أصابهم الذهول، أين الشيخ، وأين سريره؟!


انتشروا في القرية يبحثون دون جدوى…انتبه لهم بعض سكان القرية، فعلموا بفقدان الشيخ وسريره…لا يوجد أي أثر يدل على مسير الشيخ بأي اتجاه…غزتهم الوساوس، فقال أحدهم: هل يعقل أن يكون السرير قد زحف إلى النهر؟ فرد الثاني: لا يوجد أثر لهذا، وكيف يزحف السرير؟!! قال الثالث: فتشوا الماء…نزل الشبان وغاصوا إلى الأعماق مكررين المحاولة لكنهم يئسوا، فخرجوا محبطين…

قال المضيف: لم يعد هناك وقت أخبروا الشرطة…انطلقوا إلى المخفر، فجاء العريف، ومعه شرطيان…نظروا في المكان…سألوا الواقفين، فلم يعثروا على شيء …اتصلوا بالأمن، فكان أول الواصلين عناصر الأمن العسكري، لكنهم لم يعثروا على مايفيدهم…وصل رئيس الفرع، فأمر بتفتيش القرية ، فلم يعثر على الشيخ وسريره، فأمر باعتقال بعضهم …


أمر المضيّف أبناءه وآخرين من أبناء القرية، وخاصة ممن ليسوا روافض بعدم مغادرة القرية…بعد ثلاث ساعات وصل غواص محترف، فجاب حدود المكان وخرج بخف قديم تبين أنه ليس للشيخ…

في اليوم التالي بدأت الإفادات الشعبية بقصص طريفة من سكان حطلة، وخاصة الروافض منهم…أحدهم رأى الشيخ في الجنة يجلس مع علي بن أبي طالب، والحسن والحسين رضوان الله عليهم…وآخر رأى البتول فاطمة الزهراء تستقبله عند باب الريان…وثالث رآه طائراً بسريره يسابق الريح، فانفتحت له ثمانية أبواب في السماء فدخل من هذا، وخرج من ذاك ثم غاب…ورابع رآه يجلس على القمر، ووجه القمر هو وجه الشيخ، وخامس أضاف أنه لوّح له بيده…وسادس رآه في الأفق المبين قبل غروب الشمس يتوضأ بنورها… وسابع جاءه في المنام وطلب منه أن يخبر أهل القرية بقرب موعد ظهور المهدي المنتظر قدس الله سره …

بعد يومين وصل الكلب البوليسي من دمشق، وقد بدا متشوقاً إلى كشف السر…مشى الكلب بمحاذاة النهر، وبعد ثلاث مئة متر توقف وبدأ بالنباح، فأمر الشرطي الغواص أن يبحث عنه، وبعد دقيقة خرج وأخبر أنه وجده، فنزل معه مَن يساعده، وفعلاً تمَّ إخراج الشيخ مربوطاً على سريره بحبل، وعلى فمه لاصق محكم…

أدركت الشرطة أنه عمل مدبر حتى في مسح الآثار….وحده مضيّف الشيخ أدرك الحقيقة، فأضمر شيئاً في نفسه لا يمكن البوح به.

شارك عبر
جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
5
0
أضف تعليقx
()
x