سوريا بين احتلالين، من غورو إلى حافظ الأسد، الصدمة الكبرى:

اليوم ذكرى الجلاء للاستعمار الفرنسي الذي ورَّث الاستعمار النصيري سوريا بموجب صك الطائفية التي اتبعها من أول يوم دخل بها الوطن وخلال سنوات الاحتلال فأوصلتهم إلى السلطة.

من يستقرىء تاريخ الاحتلال من غورو الذي دخل دمشق يوم الجمعة 14 تموز 1920م على أكتاف من حملوا عربته على أكتافهم بعد اغتيال يوسف العظمة إلى تسلم حافظ يوم 16 تشرين 1970م يجد أن مخططا طائفيا برعاية دولية وُضع لسوريا ورعته فرنسا بعناية فائقة لتسليم النصيرية مقاليد السلطة إنْ هم اضطروا يوما للخروج منها.

واتخذ الاستعمار عدة محاور لجعل سوريا معطلة ودولة فاشلة ثم مدمرة، ومن هذه المحاور :
1- تشكيل الأحزاب الفردية السلطوية الدكتاتورية التي استلهمت حركة البعث الإيطالي التي أسسها جوزيني مازيني تحت شعار : وحدة ، حرية ، استقلال ، وهي حركة قومية انقلابية استلهمها السياسيون العرب بأفكارها ومنهجها وادعوها لأنفسهم في سرقة تاريخية للفكر تحت جناح التخلف المسيطر آنذاك على البلاد.

2- زجُ الطائفيين في هذه الأحزاب للسيطرة عليها .وإفراغها وإشغال الناس بها وتجييرها لصالح الاستعمار.

3- تشكيل جيش طائفي ، وإعطاء الأولوية للنصيرية ، والتمهيد لصراع عنيف كما جرى للسنة الذين تم اغتيالهم معنويا من خلال شائعات ذكية انتشرت في مجتمع غوغائي متلقٍ لايملك القدرة على المعالجة العقلية، وتكثر به الجسور الناقلة الرخوة … ومثل هذا جرى للدروز معنويا وماديا، وللإسماعيلية وخاصة سنة مدينة السلمية.

4- شراء ضباط خونة في حساب للمستقبل ضمن رؤيا استشرافية ناجحة، فعلى سبيل المثال كان المقدم حسني الزعيم يقاتل مع حكومة فيشي وقبض منها أموالا طائلة وأسلحة ليجند بها مرتزقة من الأكراد والشركس ففرَّ بها وترك مرتزقته في أسوأ حال ، فقبض عليه الديغوليون عام 1941م وحكموه عشرين سنة في سجن الرمل ببيروت والقلعة بدمشق ، وبعد جلاء الفرنسيين كان لابد من تبرئته لقبول إعادته للجيش السوري ، فتم استدعاؤه إلى باريس حيث برأته المحكمة العسكرية الفرنسية ، وخضع لدورة أمنية في الاستخبارات الفرنسية ليعود بعدها إلى دمشق ويأخذ مكانه في الجيش السوري ، وينفذ أول انقلاب عسكري باتفاق فرنسي بريطاني أمريكي إسرائيلي حيث أرسل له بن غوريون رسالة مع السفير الفرنسي تؤكد له دعم إسرائيل غير المحدود لقاء تصفية كتلة القوتلي الوطنية.

ويذكر مايلز كوبلاند أن حسني تلقى دعما كبيرا من المخابرات الأمريكية لينفذ أول انقلاب عسكري بتخطيط من السفارة الأمريكية بدمشق.

والخطير بالموضوع هو فضل الزعيم حسني في فتح الباب للانقلابات العسكرية على مصراعيه، فحصل صراع خطير كانت مخابرات الدول الأربعة ترعى الطائفة النصيرية رعاية خاصة ودقيقة، فأرسلت كوهين في مهمة خاصة لمراقبة الصراع الطائفي، وطلبت من الجاسوس الأمريكي ماجد شيخ الأرض إدخاله ورعايته، فكان إلى جانبه الجاسوس معزى زهر الدين ابن أخت عبدالكريم زهر الدين ( ابن عمة المجرم العميد الحاقد الفاطس عصام زهر الدين الذي اغتيل من النظام بتوجيه إسرائيلي ) وفي عام 1965م استُدعي حافظ الأسد إلى مكتب طومسون بلندن بحضور موشي دايان حيث تم الاتفاق معه على العمل لصالح الموساد الإسرائيلي بناء على تزكية سابقة من كوهين لتسلم السلطة في سوريا، فنتج عن ذلك تسليم الجولان في حرب 1967م بموجب البلاغ 66 سيىء السمعة ، وكان خطأ عبدالكريم الجندي رحمه الله في إيقاف محاكمته حسب طلب القيادة حينها بتهمة الخيانة العظمى ، فما كان من حافظ بعدها إلا أن اغتاله واغتال زوجته وحتى سائقه، وبدأ بتصفية خصومه حتى استتب له الأمر عام 1969م فوثب على السلطة في عام 1970م وبدأ بتنفيذ المخطط الطائفي المعد مسبقا خلال مدة الاحتلال، ومن أجل إعطائه صفة بطل قومي وتمكينه ونزع الشبهات عنه والتغطية على طائفيته قام كيسنجر بعقد اتفاق بينه وبين السادات، وكولدمائير لتنفيذ حرب محدودة، فكانت حرب تشرين التحريكية.

وبعد انتهاء الحرب بدأ حافظ باتباع حكم مستبد دكتاتوري واتباع أساليب القهر والتصفية والتجويع والإذلال؛ فشاع الرعب في سوريا وظهرت طبقة من المنافقين والانتهازيين والشبيحة الشوارعيين، وسادت الرشوى وأساليب الاحتيال حتى انهارت المنظومة الأخلاقية في مجتمع كان مضرب مثل في القيم والأخلاق.

ثم اضطلع حافظ بعدها بتصفية الثورة الفلسطينية والتآمر على الأمة كلها، فأنهك سوريا وأضاع سمعتها، وحول جيشها إلى جيش طائفي مجرم ليس له عدو إلا الشعب، فترحم الناس على الاستعمار الفرنسي الغاشم، واختار له الناتو ضابط المخابرات البريطانية الشهير ( باترك سيل ) بديلا عن كوهين الذي انكشف أمره فأعدم ، فعمل باترك سيل، وهو يهودي من أصول حلبية ، وأمه نصيرية بكل حرية تحت حماية النظام، وراح يتابع الوضع جيدا ويرسل تقاريره بحرية تامة، وتطورت العلاقة بين الاتحاد السوفيتي والنظام وأخذت شكلا تهريجيا بإعطائه صفة التقدمية واليسارية، وتمخض عن ذلك خوف من النظام في العراق ومحاولاته قلب النظام الأسدي ، فطلبت المخابرات البريطانية إرسال ملفات الضباط السوريين، فبدأت إدارة الضباط في النظام بإرسال الملفات إلى أمريكا وإسرائيل وبريطانيا والاتحاد السوفييتي؛ لتتم دراسة كل ضابط على حدة، وتحديد الضباط الوطنيين.

وبعد توريث بشار ظن الناس فيه بعض الخير لكنهم يئسوا، وكانت رياح الربيع العربي قد بدأت تهب على الوطن العربي، فانخرطوا به، وهو يتحول إلى شتاء دموي مرعب في مجازر لم يشهد لها التاريخ من قبل مثيلا في ظل دعم دولي تقوده الصهيونية العالمية التي أبت أن تفرط بحكم طائفي مجرم عملت 91 عاما على التخطيط له ورعايته.
فكانت الصدمة الكبرى.

حين استفاق الشعب السوري على : خذلان الائتلاف المصنوع، ودخول إيران بثقلها، وحزب اللات الخبيث والمرتزقة الشيعة الحاقدين، ثم مجيء روسيا المجرمة بتوجيه صهيوني ، كل هذا في ظل صمت عربي مقصود ومشارك بالجريمة، وتواطؤ دولي واسع النطاق مساند بقوة للنظام، فكانت مذبحة الشعب السوري وتغريبته وتشرده في كارثة لم يعرف لها التاريخ مثيلا إذ وجدت الصهيونية نفسها في مواجهة الشعب السوري، وهي تصر على ذبحه انتقاما من مواقفه ومعارضته لكلبها، بل وجدت في إبادة الشعب السوري عملا أهون من قبول إسقاط كلب حراسة حدودها.

الاستراتيجية الصهيونية ترى في الربيع العربي نهاية لوجودها ولمصالح الدول الاستعمارية في المنطقة العربية، وعليه فضلت أن تعمل كل ما بوسعها لإنهائه، وليس هناك نظام قادر على المجازر بلا حدود سوى نظام المزدكي الحاقد ، فاضطلع بهذه المهمة، ووقفت الأنظمة العربية الوظيفية مساندة له وفق الأدوار التي وزعت عليهم.

واليوم بعد إحدى عشرة من السنوات أصبح النظام المزدكي مقعدا وتعطل كل شيء به وعاد إلى عصر من قبل الطاقة، ومع ذلك تصر الصهيونية على الحفاظ عليه مُتحفيًا من أجل مزيد من المجازر والتدمير والتهجير تمهيدا لتنفيذ مشروع تقسيم سوريا كما ارتآه غورور.

ورغم تغير الوضع الدولي بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا فإن إسرائيل تصر على عدم ربط الوضع بسوريا بما يجري في أوكرانيا، وتأتي صدمة الشعب السوري من موقف الائتلاف المتناغم مع الموقف الإسرائيلي وكأن الأمر لايعنيه، فكل شيء على حاله كما كان رتيبا قبل ٢٤/ ٢/ ٢٠٢٢م، وتلك فضيحة أكبر من كل الفضائح التي ارتكبها الائتلاف بل هي الورقة الأخيرة إن بقيت هناك ورقة.

شارك عبر
جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
2
0
أضف تعليقx
()
x