الحرب الروسية الأوكرانية؛ “المقدمة – الأسباب – السيناريوهات”

أولا – المقدمة:

تمثل أوكرانيا بموقعها إشكالا تاريخيا وجغرافيًا، فمنذ عام ٤٥٠٠ ق.م ( العصر الحجري الحديث) إلى ما بين عامي ٧٠٠ – ٢٠٠ ق.م كانت أوكرانيا جزءا من مملكة سيكيثا وفي نهاية القرن السابع الميلادي غادرها البلغار، فسيطر عليها الخزر، فهي موضع صراع لأمم وشعوب مختلفة، ويعد القرن التاسع الميلادي محطة مهمة في تاريخ أوكرانيا إذ سكنتها قبائل السلاف، فتأسس ما عُرف بروس كييف، وفي عام ٨٨٠ م سكنها الفارانجيون من شعب الروس، وخلال القرنين العاشر والحادي عشر أصبحت أوكرانيا أكبر دولة في أوروبا والأقوى، وأصبحت كييف عاصمتها الحديثة، وأصبح الفارانجيون جزءا من سلالة الروس الحاكمة الأولى.

لكنها تفككت في القرن الثاني عشر بعد حرب الشمال العظمى، فكانت أوكرانيا مقسمة بين عدد من الدول الإقليمية.

وفي القرن التاسع عشر خضع الجزء الأكبر منها للأمبراطورية الروسية، مع قسم منها تحت السيطرة النمساوية الهنغارية.

مرت أوكرانيا بفوضى وحروب متواصلة ومحاولات للاستقلال مابين عامي ١٩١٧م و ١٩٢١م

وبعد الحرب العالمية الأولى، والحرب الأهلية الروسية عادت أوكرانيا في ٣٠ كانون الأول ١٩٢٢م إلى المسرح الدولي كإحدى الدول المؤسسة للاتحاد السوفياتي.

وفي عام 1954م تنازل خرشوف، وهو من أصل أوكراني عن القرم لأوكرانيا.

أما الإشكال الجغرافي، فهي دولة واقعة بين فكي الدب الروسي الطامع بخيراتها، والطامح للوصول إلى أوروبا من الغرب، وإلى البحر الأبيض المتوسط من الشرق والجنوب الشرقي.

وقد تهيأ لها الوصول إلى الجنوب بعد استيلائها على شبه جزيرة القرم عام ٢٠١٤م، فروسيا تحد أوكرانيا من الشرق والجنوب، ومن الغرب بولندا وسلوفاكيا، والمجر، ومن الجنوب الغربي رومانيا ومالدوفا، ومن الجنوب البحر الأسود، وبحر آزوف.

وإشكال الجغرافية يلتقي مع إشكال التاريخ ويتداخل معه. فتاريخ الدولتين يتداخلان كتداخل الجغرافيا والعرق، وأوكرانيا تشكل بوابة روسيا نحو أوروبا بقسميها، وهي إحدى أهم مرتكزات الاتحاد السوفياتي البائد، وقد شغل قادة الاتحاد السوفياتي الذين هم من أصول أوكرانية أكثر من نصف عمر الاتحاد بدءا من المؤسس لينين الذي يعود بأصوله إلى جد أوكراني يهودي أرثوذسكي، ثم تروتسكي الشخصية المثيرة للجدل مؤسس الجيش الأحمر، ووزير خارجية لينين، ونيكيتا خرشوف الذي قاد الاتحاد السوفياتي من عام ١٩٥٣م إلى ١٩٦٤م وهو من نقل إدارة جزيرة القرم إلى جمهورية أوكرانيا، والزعيم الرابع هو ليونيد بريجنيف وقد حكم بين عامي ١٩٦٤م و١٩٨٢م ، والخامس هو قسطنطين تشيرنيكو وحكم سنة واحدة من ١٩٨٤م إلى عام ١٩٨٥م بسبب وفاته، والسادس ميخائيل غورباتشوف، وهو من مدينة تشيرنهيف، وآخر الزعماء السوفيت، وعلى يده انهار الاتحاد السوفياتي بمعول البيروسترويكا… فهؤلاء الأوكرانيون حكموا من ١٩٢٢م إلى عام ١٩٩١م أكثر من نصف عمر الاتحاد، وقد اعترف بوتين بذلك وقوة نفوذ الأوكرانيين في مقال له حول الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين.

ولعلنا من خلال هذه المقدمة نبسط أهم الأسباب التي دفعت بوتين إلى غزو أوكرانيا.

ثانيا – الأسباب:
ونشير هنا قبل الخوض في أسباب الغزو إلى أن أوكرانيا قد حصلت على استقلالها عام ١٩٩٠م/ ١٩٩١م بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه، لكنها مرت بمرحلة عصيبة في عام ٢٠١٤م حين حاولت الانفكاك عن قيود روسيا، فردت بغزو شبه جزيرة القرم وضمها، كما تقدمت دباباتها باتجاه إقليم دونباس، فاحتلت ثلثه، ويمثل عشر بالمئة من مساحة أوكرانيا، وغني بالثروات المعدنية، فيوصف بحوض التعدين، ويقدر ناتجه القومي ب ٢٠بالمئة من الناتج الكلي، وقامت روسيا بإقامة دولتين شعبيتين هما: جمهورية لوغانسك، وجمهورية دونيتسك. ولم تعترف أوكرانيا ومعها العالم بهذا الانفصال.

لقد أشار هذا التمهيد من طرف خفي إلى أن أهم أسباب الغزو الروسي هو:


أ‌- الموقع الجغرافي الاستراتيجي لأوكرانيا بالنسبة لروسيا والثروات المعدنية الضخمة لأوكرانيا مع وجود فخر الصناعات الروسية السوفيتية في أوكرانيا.

ب‌- ومن الأسباب المهمة أيضا هو انتشار اللغة الروسية في أوكرانيا وتداخل الثقافتين، ووجود تأثير ثقافي يعود إلى القرن التاسع عشر حيث تنامي القومية الأوكرانية، إذ التزم الفكر القومي الأوكراني بالنهضة الوطنية والعدالة الاجتماعية، وقد قاد هذه الحركة القومية الشاعر تاراس شيفتشينكو، والمنظر السياسي ميخائيلو داراهومانوف، ويعد هذا التاريخ أقصد نهاية القرن التاسع عشر عصر النهضة القومية الأوكرانية، وقد ردت الحكومة الروسية على هذه الحركة المتنامية بقيود صارمة على اللغة الأوكرانية.

ت‌- ومن أهم الأسباب هو وصول الغرب بثقافته إلى أوكرانيا مستغلاً ظمأ هذا البلد إلى الحرية بعد حكم الحزب الشيوعي الذي سام الناس أسوأ أشكال القهر والجوع، مما جعل الأوكرانيين يقبلون على الحياة الغربية بشغف كبير بدءاً من عام 1991م

وبعد 2014م أصبح نظام الحكم مثالاً لأنظمة الحكم في أوروبا، وهذا أكبر تهديد لنظام بوتين ولروسيا العائدة إلى حلم الماضي، ومن استمع إلى قول رئيس بيلاروسيا لوكاشينكو أمس الثلاثاء 13/4/2022م في لقائه مع بوتين: ” كان يجب أن تقوم روسيا بهذه العملية، ولو تأخرت لوجهت أوكرانيا ضربة ساحقة في العمق الروسي.”

ولاشك أنه يعني بالضربة الجوانب الفكرية والثقافية والسياسية، ولا يمكن أن يقصد الجانب العسكري.

وفي المقابل ردت روسيا باحتلال أجزاء من إقليم دونباس وإقامة دولتين فيه هي جمهورية دونيستك الشعبية ، وجمهورية لوغانسك الشعبية كما أسلفنا الحديث، والغرض هو إشغال أوكرانيا، وإشاعة شيء من عدم الاستقرار فيها.

3- السيناريوهات:
بدأت روسيا حربها يوم 24/2/2022م بتخطيط تقليدي حاول اختزال المفاجأة، ومايعرف بالصدمة والرعب بهجوم جوي على أهدف محددة، تبعه تقدم بري واسع النطاق اتسم بالسرعة نحو العاصمة كييف التي تبعد في أقرب نقطة حوالي205 كم عن الحدود الروسية وعلى الطريق الدولي 260كم، وبرتل مدرع وصل طوله إلى 65كم، وكان ظن الروس أن يصلوا كييف خاوية على عروشها، وقد أخلاها القادة الأوكرانيون، وهربوا إلى خارج الوطن مع استسلام تام للقوات المسلحة خلال مدة لا تتجاوز ال 72 ساعة.

لكن المفاجأة المهمة كانت في أن الروس هم من وقعوا في فخ الوهم، فقد تبين أن الأوكرانيين بمساعدة حلف النيتو قد كشف الخطة الروسية في مرابضها، ورصد احتلال الروس لقاعدة الهجوم، ومن ثم تقدمه داخل أوكرانيا، ويبدو أن هذا السيناريو كان أكثر السيناريوهات الافتراضية لدى القيادة الأوكرانية، فعملت على وضع خطة محكمة لتدمير الدرع الروسي، وتقطيع أوصاله، وبدا هذا من خلال الخسائر الفادحة التي منيت بها القوات الروسية، ولولا استعمال القوات الروسية العنف المفرط في استعمال أسلحة تدمير شبه شاملة لتأمين انسحاب غير منظم لقواتها لأبيد الجيش الروسي على بكرة أبيه.
وأشير هنا إلى أن الجيش الأوكراني هو ثاني جيش في أوروبا ، ويأتي ترتيبه بعد الجيش الروسي، فكان الخطأ الفادح أن تتوهم القيادة الروسية استسلامه بهذه السهولة.

2- السيناريو الثاني:

أ‌- كان على الروس أن ينسحبوا من ضواحي كييف، وعلى وجه السرعة، وأن يخلوا الشمال بمساعدة بيلاروسيا، وأن يعودوا إلى الشرق والجنوب الشرقي، وأن يعيدوا تنظيم قيادة السيطرة والتحكم التي فقدوا إدارتها، فكاد جيشهم أن يضيع في أدغال أوكرانيا.

والخطوة الثانية جاءت بالتقدم الطبوغرافي المسيطر عليه من الشرق والجنوب، والتركيز على مدينة ماريوبول الميناء الحيوي لجعل بحر آزوف بحراً خاصاً بهم وربط البحر بالبر، وتشكيل جبهة واحدة من الشرق والجنوب للتقدم المدروس بغية قضم المناطق تدريجيا وصولاً إلى العاصمة كييف.

وفي أغلب الظن أن الشمال أوكل لبيلاروسيا، وهذا ماستصدقه الأيام القادمة، وفق نجاح القوات الروسية في التقدم.

ب‌- خطة الدفاع الأوكرانية:

سيرى الأوكران أنفسهم مجبرين على قتال وطن أي جيش لجيش على حدود الدولتين؛ فضلاً عن قتال القوات الخاصة بشكل محدود، وعليهم أن يحدثوا ثغرة تفصل القوات الروسية عن بعضها، وأن ينجحوا في تدمير خطوط الإمداد كلما توغل الروس في العمق الأوكراني.

ت‌- يأمل الروس أن ينجحوا في الوصول إلى كييف، ويأمل الأوكران في استنزاف القوات الروسية وإجبارها على التقهقر .

في حال نجاح الروس في احتلال كييف، فإن ثلاث دول ستكون في مواجهتها هي : بولندا، وسلوفاكيا ، والمجر، والأخيرة موالية، أما بولندا ، وسلوفاكيا فستكونان في عين العاصفة ، وسيزيد الوضع خطراً أن الصفحة الثانية من السيناريو الثاني هو تنظيم مقاومة أوكرانية شعبية تعمل على استنزاف الروس، ودفعهم إلى الهرب من أوكرانيا وستتظافر عوامل اقتصادية وعسكرية وسياسية لإلحاق هزيمة نكراء بروسيا، وعندئذٍ سيكون هناك سيناريو ثالث.

3- السيناريو الثالث:

ويتوقف هذا السيناريو على مدى فعالية العقوبات الاقتصادية من جهة، وفعالية المقاومة الأوكرانية، فإن هذا السيناريو يكون بما يسمى الهروب إلى الأمام بالنسبة لروسيا، بمعنى اقتحام بولندا للوصول إلى حدود ألمانيا وتهديدها وإغراقها باللاجئين، وجعلها تحت مرمى النار الروسية، وهذا السيناريو يتطلب توسعاً بالحرب، ويفترض دخول دول أخرى مازالت مواقفهم حذرة إلى حد كبير، وإلا ستجد روسيا نفسها وحيدة إلا من بيلاروسيا، وعندئذ سيكون مصيرها كارثياً، وهذا المصير سيكون ملازماً لروسيا إن انسحبت دون نجاح للسيناريو الثاني، أو الثالث، فهناك قرارات دولية قاسية، وعليها أن تفكر مليا في رفعها والتخلص منها، وحتماً هناك ماهو أقسى بانتظارها قد يصل إلى طردها من مجلس الأمن.

الرابع : الحرب النووية:

الحديث عن أسلحة الدمار الشامل وخاصة الكيمياوية منها أصبح يأخذ سبيل التأكيد فقد ادعى الرئيس الأوكراني أن روسيا استعملت أسلحة ممنوعة دولياً منها الكيمياوية ، والفسفورية ، والانشطارية ، كما أعلنت روسيا أنها استعملت صورايخ خارقة أو مفرطة للصوت، ولم تستبعد أمريكا استعمال روسيا للأسلحة الكميائية استناداً إلى تاريخها وخاصة في سوريا، لكن خوف العالم من استعمال القنابل النووية القادرة على تدمير الكرة الأرضية سبع مرات من قبل روسيا، وخمس مرات من قبل أمريكا، وليس الأرض بحاجة لأكثر من مرة واحدة.

والسؤال هل هناك مجنون يفعل هذا؟

هناك من يقول : نعم، كما فعلت أمريكا في هيروشيما وناكازاكي، وكان السبب أنها عجزت عن هزيمة اليابان وبدأ سرب الكاميكازي في تدمير الأسطول الأمريكي فلم يكن بد من الفزع إلى السلاح النووي، وهذا ما سيكون أمام بوتين حين يرى نفسه على شفا حفرة السقوط وإنهاء روسيا ومكانتها بل وتدميرها وإخراجها من الساحة الدولية وآخرون يرون أن العالم سيخفف الوطأ ولا يترك الأمور تنفلت إلى هذا المستوى الرهيب، فإما أن يغتال بوتين أو يساعد الروس في إنهاء حكمه، أو أن يتفاوض معه ويقبل بكثير من شروطه. وأن تتخلى أمريكا عن طموحها في بقائها على كرسي السيادة العالمية.

سنة 2022م حاسمة في كشف الأمور، وكلما طالت الحرب كانت الكارثة أقرب وأقسى.

شارك عبر
جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
1
0
أضف تعليقx
()
x