الندية!

تحظى الندية في مسارها الطبعي باحترام المجتمعات ، ولاسيما الراقية منها، وتشير إلى التنافس الشريف المتزن الباحث عن الإبداع، مثلما تشير إلى تشكيل مكون اجتماعي راق متماثل في علمه وثقافته ووعيه وعطائه، مما يمنح المجتمع مثالا للاقتداء للوصول إلى مجتمع مثقف فاعل ومنتج.

بيد أن الندية المريضة ليست هكذا، بل على العكس من ذلك، فمنهم الفارغون ممن لايمتلكون شيئا، لكنهم يفترضون أنفسهم أندادا للمتميزين بعلمهم أو وعيهم أوثقافتهم، بل حتى عطائهم، بل ربما وجدوا أنفسهم متفوقين عليهم.

وبالنظر إلى علم النفس لاستشارته نرى أنه يصنف هؤلاء بالمرضى النفسيين المصابين بالوهم، وأن نديتهم ما هي إلا تعبير عن شعور حاد بالنقص، ومحاولة للتعويض وتعبير عن حقد بسبب تكرار الفشل.

ورغم أن الحياة بطبيعتها تقدم للناس مباريات متعددة، فهم يتنافسون في المدارس، أو الجامعات، أو المهن والصناعات وفي كل مجالات الحياة، فيظهر المتميزون على أقرانهم في دورة لا تنقطع…
ويرى علم الاجتماع أن الندية تترعرع في المجتمعات الرِّعاعية الفاقدة للضوابط الأخلاقية، وخاصة ضابط الاحترام ، ففي هذه المجتمعات يسقط الحياء والخجل، وتشيع الوقاحة، وبحكم كثرة الفاشلين، فإن الندية المريضة تحظى بأعداد كبيرة مما يجعلهم قوة يحسب لها ألف حساب، وخاصة في السياسة إذ يشكل المرضى قوة ضغط ووجود وإقصاء بحكم الكثرة، ودوافع حقدهم على غيرهم ممن تفوقواعليهم، لاسيما أن المتفوقين يكونون عادة قلة.

وتكشف الدراسات التي تتناول الندية المريضة في وسائل التواصل الاجتماعي أن الفاشلين هم الأكثر حضورا بحكم الكم، وقد أظهرت الاستبيانات أن المقالات العلمية الرصينة لاتلقى اهتماما من أولئك المتابعين، وتأتي الأعمال الأدبية الراقية ( فنون الأدب ) في آخر اهتماماتهم، فهي غير مرغوب بها، أما الدراسات الدينية والاقتصادية والتاريخية والاجتماعية، فتلك في آخر القائمة، ولا حظ لها لدى هؤلاء المتابعين، وهي مثال لقرَّاء( عرض المزيد) أي لايتجاوزون هذه العبارة المعروفة.

بينما تحظى كتابات النساء، ولو كن من القواعد بأهمية كبيرة، وتُظهر كثرة علامات الإعجاب والتعليقات تلك الأهمية، ثم تليها ( الطقاطيق القصيرة )وكلما كانت بالعامية كانت أكثر قبولا، وتحظى الكتابات غير المترابطة والغارقة بالأخطاء، وخاصة الإملائية باهتمام واسع لدى كتاب محو الأمية، وكتاب نحو الأمية، وحملة شهادات الكونفارشو وهم الأكثر، ولهذا تكثر الاعجابات والتعليقات النفاقية.

والندية المريضة تمنح الباحث معلومات متعددة لدراسة بنية المجتمعات، ومستوى العلم والثقافة والوعي، وكذلك تمنحه إمكانية دراسة أخلاق المجتمعات، ومستوى هبوطها وشيوع الكذب والنفاق والانحراف فيها.

تعدُّ الندية من أسوأ الأمراض الاجتماعية، وهي مشير كبير إلى انحطاط المجتمعات وتخلفها.

شارك عبر
جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
0
أضف تعليقx
()
x