ماذا خلف إعادة باكستان تسيير رحلاتها الجوية إلى سورية، وما علاقة ذلك بإيران؟

في حدث هام ذا مغزى ودلالات أعادت باكستان تسيير رحلاتها الجوية إلى مطار دمشق الدولي من أربعة مدن باكستانية هي: إسلام آباد وكراتشي ولاهور.

إثنان وعشرون عاما مرت على آخر رحلة جوية بين باكستان وسورية، لتحط طائرة الخطوط الجوية الباكستانية “بيا” في مطار دمشق وعلى متنها وزير الطيران الباكستاني غلام ساروار خان والقائم بأعمال السفارة السورية في باكستان مازن عبيد، ورئيس الخطوط الجوية الباكستانية و 286 “سائحا دينيا باكستانيا”، وهو ما أكده مسؤولون باكستانيون وسوريون من نظام الأسد، من أن الركاب كانوا سياحا دينيين الأمر الذي يعطي مؤشرا هاما على طبيعة العلاقات والهدف من إعادة تسيير رحلات جوية بين البلدين.

لا يمكن بحال فصل هذا الحدث عن واقع سيطرة طالبان على مقاليد الحكم في أفغانستان بعد الإنسحاب الأمريكي الطوعي من أفغانستان، وكذلك اجتماعات منظمة شنغهاي برئاسة طاجيكستان التي يزورها الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي حاليا، وموافقة المنظمة على إنضمام إيران إليها.

إيران كانت تقدمت بطلب للانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون في عام 2008، وبترشيح ودعم من روسيا، لكن طلبها بقي معلقا لمدة 13 عاما بسبب عقوبات الأمم المتحدة والولايات المتحدة على خلفية برنامجها النووي، في حين أن الهند وباكستان انضمتا للمنظمة عام 2017.

قبول عضوية إيران يصب في خانة ترسيخ روسيا والصين لوجودهما كدولتين رئيسيتين في المنطقة، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان وتسليم السلطة لطالبان.

من هنا يمكننا ملاحظة جملة المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة وطبيعة الصراع والتنافس الدائر بين القوى الدولية المؤثرة، وهو ما يشي بأن الفترة القادمة ستكون حبلى بالتطورات السياسية وربما العسكرية أيضا، خاصة في ظل وجود حلفاء ألداء في المنظمة مثل الهند والصين وباكستان.

بالعودة لخبر إستئناف الرحلات الجوية بين إسلام أباد ودمشق، ووصول أول طائرة باكستانية وعلى متنها 286 سائحا “حاجا” دينيا، يمكننا القول أن نافذة جديدة قد فتحت أمام إيران لتعزيز وجودها عسكريا في سورية، الأمر الذي سيمكنها من تعويض النقص الحاصل في العنصر الأفغاني (الهزارة) الذي حد منه أمران:

الأول: تململ العناصر الأفغان (فاطميون) من استخدامهم وقودا لحرب إيران في سورية من خلال الزج على خطوط الجبهات وتقنين مخصصاتهم.

الثاني فهو وصول طالبان إلى السلطة وسعي إيران لاستخدام عنصر الهزارة في التأثير على القرار في أفغانستان من خلال دمجهم مع حركة طالبان من جهة ومؤسسات الدولة الموعودة من جهة أخرى، إضافة لتشكيل خلايا نائمة في أفغانستان كما هي عادة إيران في كل بلد تصل إليه أو يتواجد فيه شرائح تدين بالولاء لها.

لطالما اعتمدت إيران في حربها على الشعب السوري على أربعة عناصر بشرية هم: شيعة العراق، شيعة لبنان، شيعة أفغانستان، وشيعة باكستان، لكن ولأسباب سياسية ولوجستية بقي اعتمادها على شيعة باكستان محدودا بالمقارنة مع شيعة أفغانسان وباقي الدول.

اليوم تجد إيران أن فرصتها الذهبية لأستخدام شيعة باكستان في حروبها على العرب والمسلمين، قد باتت سانحة، خاصة في ظل إطلاق يدها في المنطقة، الأمر الذي سيعززه عودة الرحلات الجوية المباشرة بين باكستان وسورية.

إيران ومنذ اليوم الأول لتدخلها في سورية كانت تزج بالمقاتلين الأجانب، تحت مسمى حجاج “المزارات والعتبات المقدسة” وهي حجة باطلة اختلقتها هي خدمة لأجندة تدخلها في سورية، كما اختلقت مزارات لا وجود ولا قدسية لها أساسا.

لقد حدث في بدايات الثورة السورية أن وقعت مجموعة من هؤلاء المقاتلين “الحجاج” بيد أحد فصائل المعارضة المحسوب على الجيش الحر ليقوم بإطلاق سراحهم مقابل عشرات ملايين الدولارات، وقد قيل أن المبلغ وصل حوالي (57 مليون دولار).

لا شك أن تسيير رحلات جوية مباشرة من أربعة مدن باكستانية إلى سورية سيوفر على إيران عناء تجنيد ونقل مقاتلين عبر طرق ملتوية، وستستطيع بذلك تجنيد العشرات وربما المئات والآلاف من شيعة باكستان (ميليشيا زينبيون) وإرسالهم إلى سورية مباشرة وخلال ساعات تحت غطاء السياحة الدينية.

اليوم يمكننا التأكيد على وجود تنسيق عالي المستوى بين نظامي باكستان وإيران، فمبادرة باكستان بتسيير رحلات جوية إلى سورية تخدم هدف إعادة تعويم نظام الأسد وإبقائه على قيد الحياة، فباكستان تؤيد ضمنيا نظام الأسد وكانت قد امتنعت عن التصويت في مجلس الأمن على قرارات تدينه.

الخطوة الباكستانية تصب في مصلحة تعزيز علاقات باكستان وايران الثنائية عموما، خاصة وأنهما أصبحتا عضوين في منظمة شنغهاي، لكن الخطير في الأمر أن هذه الخطوة ستكون بمثابة رئة تتنفس بها إيران وسيطلق يدها في عملية تجارة المخدرات وتهريب السلاح وتبييض الأموال اعتمادا على الفساد المستشري في باكستان ووجود خلايا نشطة تدين لها بالولاء الكامل وهو ما سيعتبر موردا إضافيا لخزينتها تمول به أنشطتها التخريبية في في المنطقة.

لحظة وصول الطائرة الباكستانية
شارك عبر

كاتب وباحث سياسي سوري, منافح عن عقيدته غيور على أمته فخور بعروبته, من أوائل الذين إنخرطوا في العمل الثوري ضد نظام الأسد, شاركت في تأسيس العديد من الهيئات والإتحادات الثورية السورية, كتبت للعديد من المواقع والصحف السورية والعربية, كما انني شاركت بعشرات المداخلات التلفزيونية والإذاعية على الجزيرة وغيرها من المحطات التلفزيونية والإذاعية.

جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
2
0
أضف تعليقx
()
x