صناعة التاريخ!


سأقودكم إلى القرن الحادي والعشرين، وهو قرن أمريكي بامتياز …


بهذه الكلمات حدد جورج بوش الأب ملامح النظام الدولي الجديد في خطابه ليلة إعلانه النصر على العراق عام ١٩٩١م …
جورج بوش أول نائب رئيس أمريكي يتسلم الرئاسة بعد ثماني سنوات حاملا تجربته من عام ١٩٤٤م طيارا في البحرية الأمريكية يهبط بمظلته بعد غارة على اليابان فكان الناجي الوحيد من طاقم الطائرة ليغادر سلاح الجو لتفتح له مؤسسات المال أبوابها في تكساس، فيكون في الستينيات من القرن الماضي أحد مليونيريي أمريكا … لكن التجربة العميقة كانت في المخابرات الأمريكية حين تسلم رئاستها …

هذه الشخصية هي اختيار المخطط، وصانع القرار الأمريكي في تعدد مواهبها.

كانت سنوات الثمانينات تشهد شيخوخة الاتحاد السوفياتي، وانهيار جدرانه في أوروبا، بل في عقر حلفه الأحمر ( وارسو) على يد ناشط عمالي في إثارة طريفة أن أبناء الفكر يتبرؤون منه … تلك لحظة تاريخية خلاقة تنبىء بولادة عظيمة، فكان لابد للمخطط الاستراتيجي الأمريكي أن يستمثرها خاصة بوجود رئيس متعدد المواهب والتجارب، فكان ( فخ الكويت ) الذي انتدب له ثلاثة من ضمنهم جورج بوش الابن ( وأتحفظ على ذكر الاثنين الآخرين حاليا) ونجح المخططون في اصطياد العراق وجيشه وانتزاع نشوة نصره على إيران بعد ثماني سنوات من البطولة وتسطير أعظم الملاحم، فحُرم العرب من أول نصر في تاريخهم الحديث…

اتخذ الفخ عدة مسارات غير أحداث الإيقاع بين الدولتين الشقيقتين، وقضية نفط الرميلة وتخفيض أسعار النفط، وهي:


١- تضخيم قوة العراق وجعلها قوة دولية كبرى.
٢- تصوير العراق على أنه خطر على كل دول الخليج العربي.
٣- شيطنة العراق وتشويه سمعته..
٤- شيطنة صدام حسين وتصويره بالدكتاتور وربط صورته بصورة هتلر والنازية..
٥- جعل العراق خطرا على السلم العالمي لامتلاكه أسلحة دمار شامل وسعيه لتطويرها.


وكل هذا لحشد ٨٨دولة ضد العراق لهذا دلالاته، فهناك عين تراقب تأثير الحدث بالاتحاد السوفياتي، وجهود كرباتشوف في البيروستوريكا التي بدأت تهدم من القمة على عكس المعتاد .. وهناك ٣٣ دولة اشتركت في الحرب على العراق، فماذا بقي للسوفيت على الساحة الدولية، وهم في أسوأ أحوالهم، فجاء النصر إعلاميا أعظم من النصر في الحرب العالمية الثانية، ودخول الكويت أكثر تأثيرا من دخول برلين، وإنزال صفوان أعظم من إنزال النورمندي، فكيف لايكون هذا، والمخطط الأمريكي يدرك أن الغاية تكمن سرا في إنهاء الاتحاد السوفياتي، وصناعة عالم دولي جديد بقطب واحد، وهذا ما جرى …

بعد ثلاثة عشر عاما عزز جورج بوش الابن سطوة أمريكا باحتلال العراق عام ٢٠٠٣م لكنه كان نصرا باهتا على بلد محاصر منهك، والهدف مفضوح هو خدمة إسرائيل، فانحرفت الزعامة الأمريكية للعالم إلى خدمة مخططات إسرائيل في المنطقة العربية، وإقامة تحالفات خفية مع إيران وأنظمة طائفية لتدمير المنطقة العربية، ففاجأها ربيع العرب، فعملت على اغتياله وتشويهه بادعائها صناعته لخلط الاوراق وبلبلة التفكير وصرف الذهن الجمعي عن معرفة الحقيقة…

اليوم بعد ٣١ سنة من النصر البائس على العراق، وتصدر أمريكا زعامة العالم تغيرت أمور كثيرة على الساحة الدولية، منها استعادة روسيا لبعض عافيتها، وظهور قوى جديدة مثل الصين اقتصاديا، وكوريا الشمالية نوويا، وبروز ملامح جديدة لدول تستعد لأن يكون لها حضور دولي، وتعثر أمريكا وأوروبا اقتصاديا وسياسيا ( وإن كان إظهار ضعف أمريكا في هذه المرحلة ليس دقيقا وقد يكون عن قصد) ومشيرات تلوح بانتهاء زعامة أمريكا، وقد شهدنا في الآونة الأخيرة انشغال الإعلام بالموازنة بين روسيا وأمريكا، وبين أمريكا والصين، وكلها أعمال مقصودة لأمر يريده المخطط الأمريكي وصانع القرار، لتهيئة العالم لحدث كبير …


واستنادا إلى ما قدمناه هل يحق لنا أن نقول: إن أوكرانيا فخ لبوتين، وأن روسيا اليوم هي عراق الأمس، وأن أوكرانيا اليوم هي كويت الأمس …وأن أمريكا بصدد اصطناع حدث عالمي يهيىء لها تجديد زعامتها على العالم وتوجيه ضربة ورسالة واضحة من خلال الضحية الأوكرانية، والمفترس الروسي إلى كل من تسول له نفسه الخروج عن بيت الطاعة الأمريكي، وإعادة هيمنتها على العالم بقوة أكبر؟


من يراقب الحدث العالمي لايعدم ملاحظة الأسلوب نفسه والسيناريو ذاته الذي عايشناه في عام ١٩٩٠و١٩٩١م ولاسيما العقوبات الدولية على العراق حتى قيل إن خمسة القرارات التي اتخذها مجلس الأمن الدولي كانت وراء وصول العراق إلى الكارثة …واليوم تبدو القرارات والعقوبات الاقتصادية طوقا حديديا اصطاد عنق بوتين ويديه وقدميه، كما كان الأمر في العراق…

كما أن تصدي القوات الأوكرانية للغزو الروسي كشف عن إعداد عسكري مسبق؛ لأمريكا والناتو يد في ترتيبه ليكون استنزافا للقوات الروسية وإطالة أمد الحرب فيصبح الفك الثاني في اصطياد روسيا وتمزيقها وتقطيع أوصالها كاتحاد…

إن كل المعطيات تشير إلى مخطط أمريكي لإنهاء حضور روسيا الدولي وتحويلها إلى دولة فاشلة، ليتسنى لأمريكا تطويع العالم مرة ثانية بنفس القوة التي كانت عليه، ومن ثَم احتواء الصين، وجعلها في أحسن الظن تابعا لها، إلا إذا تورطت الصين في استرجاع تايوان وإعلان تحالفها مع روسيا ( وقد بدأت تظهر ملامح حلف من خلال تحرك جورجيا بعد تحرك بيلاروسيا والشيشان) عندئذ سيكون لها ما كان لروسيا من عقوبات اقتصادية ستفرض بها أمريكا على دول العالم وقف التعامل التجاري وغير التجاري مع الصين، ودولة مثل الصين لن تحتمل مثل هذه العقوبات …

واللافت للنظر أن خلف أستار الأمم المتحدة يلوح شيء مريب يشير إلى نية أمريكا وأوروبا تغيير بنية الأمم المتحدة، وأسلوب عملها باستبعاد دول من مجلس الأمن والعضوية الدائمة …


وحسبي هذا، أما ما سيكون عليه رد الآخر، فعلمه عند الله لكنه في كل الأحوال شيء مرعب.

شارك عبر
جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
0
أضف تعليقx
()
x