بايدن و «إسرائيل» وإيران وأمن المنطقة

الثابت الذي لا يتغير أنه في كل مرحلة تبشر بزوال نظام دولي وظهور آخر لا بد أن تشهد البشرية حروبا ونزاعات ومجاعات وأوبئة ودماء، يتبعها تقاسم للمصالح والنفوذ وإدارة للموارد والثروات وتأسيس لقواعد التعايش بين الصقور. 

      في خضم هذا الصراع الدولي الطاحن تتحرك الولايات المتحدة شرقا وغربا. والظاهر الجلي أن كل زيارة بايدن وقممه في المنطقة أمنية صرفة، ولا هدف لها إلا مصالح أمريكا و «إسرائيل» وأمنهما القومي فقط لا غير! وهو ما أعلنته أمريكا صراحة. وفي المقابل، فإن كل جواهر الردود الإيرانية على الزيارة، هي الأخرى، أمنية حتى النخاع! فما هي قصة الأمن التي تتقدم حتى على الاتفاق النووي!؟

       لنتأمل المسألة عميقا، وبعيدا عن الحلقات المفرغة من الجدل أو حالة الفزع الإعلامي والسياسي المتعمدة، والتي سبقت ورافقت الزيارة حتى اختتامها. فحقيقة الصراع بين أمريكا وإيران قائم على الأفضلية بينها وبين «إسرائيل». وتبعا لذلك فإن موضوع التنافس هو بالضرورة أمن المنطقة، وليس شيء آخر. 

       لذا بدت ردود إيران تجاه زيارة بايدن و «إعلان القدس»، وحتى فيما يسمى بـ «الناتو العربي»، منحصرة في مسألة الأمن. فإيران، فضلا عن أنها ترى في نفسها الوريثة القادمة لـ «المربط الأمني الدولي» في الشام، تقول صراحة: «نحن من داخل المنطقة، وأعلم بمكوناتها واحتياجاتها، وأقدر على ضبط الأمن فيها»، وليس «إسرائيل» ولا أية قوة من خارجها. وهذا التوصيف الإيراني يحظى بالدعم الصريح والرسمي من روسيا والصين!

      وهو بالضبط ما يقلق «إسرائيل»، حتى تكاد معه تفقد صوابها، إلى الحد الذي باتت مسألة «زوالها» حاضرة بكثافة على طاولات النقاش، وعلى أعلى مستويات النخب السياسية والأمنية. فاليهود يعلمون يقينا ان إيران دولة راسخة في المنطقة بعكس دولتهم التي يمكن تفكيكها بسهولة إذا لزم الأمر. لكن ما الذي يجعل إيران مغرية للنظام الدولي إلى حد التضحية بـ «إسرائيل»؟ وفي نفس الوقت حذرا من طموح إيران!؟

قدرات إيران وقدرات «إسرائيل» في مسألة الأمن

      كل الصراع الدولي مع إيران يقوم على «الدور الوظيفي» لها في المنطقة وليس على البرنامج النووي، ولا على الجدل في قدراتها الأمنية في المنطقة! حيث لا أحد ينكر ذلك أو يجادل فيه.

     في واقع الأمر، فإن إيران بالنسبة للنظام الدولي أجدى أمنيا من «إسرائيل» في حفظ مصالحه وهيمنته واستمرارهما. وهذا بالضبط ما يخيف «إسرائيل» التي لا يتعدى دورها مجرد «أداة» مكشوفة عقديا بالنسبة لأصغر مسلم. بل هي أوهن «أداة» في إطار ما نسميه بـ «المرابط الدولية الثلاث»: «العسكري-إسرائيل» و«الأمنيالشام» و«العقديمكة». أما لماذا أجدى؟ 

فلأن «إسرائيل» تعلم أن إيران:

  1. لها القدرة على اختراق العالم الإسلامي من الداخل بكل سهولة، بفعل التواجد الديمغرافي الطائفي المحلي، 
  1. ولأن إيران ستجد من يسهل لها العبث في الدين، حيث يراها البعض من المسلمين من أهل القبلة.

وفي المحصلة 

     تدرك «إسرائيل» أن إمكانياتها في اختراق المنطقة اجتماعيا وعقديا لا تتجاوز الصفر مقابل إمكانيات إيران وميليشياتها وجذورها العقدية كبلد مسلم، حتى لو جرى التلاعب بعقيدته منذ العهد الصفوي. فما زال الكثير من المسلمين يرون في الشيعة أهل قبلة.

لذا 

      فالثمن الذي تريده إيران، ذات الطموح الفارسي الصفوي المنافس للروم تاريخيا، لقاء هذه القدرات والخدمات، أن تكون شريكة في أي نظام دولي كائن أو قادم، وأن لها الحق في تقاسم المصالح والنفوذ معه حتى على مستوى العالم برمته. بينما النظام الدولي، وأمريكا بالذات، لا يريدها إلا محض أداة، شأنها شأن «إسرائيل». 

      مع ذلك سنجد في الجانبين «الإسرائيلي» والإيراني من يميل إلى احتواء الموقف بحسب مصالحه أو ضغط الوقت، خاصة أن الاتفاق النووي تم إنجازه بالكامل، وفصله عن «الدور الأمني». ففي «إسرائيل»، وكسبا للوقت، ثمة من يقبل بالاتفاق المنجز مع إيران ريثما تتغير الظروف، وفي إيران، طمعا في بعض المكاسب واعتراض الاحتقان الاجتماعي، ثمة من يقبل بالاتفاق دون ضمانات كما تطرح أمريكا، وتأجيل البت في مسألة الحرس الثوري ودور إيران المطلوب إلى مرحلة لاحقة من المفاوضات. لكن المؤكد، بحسب بايدن، أن أمريكا لن تقبل تحت أي ظرف كان بإحالة أمن المنطقة إلى إيران.

السؤال: 

     ماذا ستفعل «إسرائيل» لو قبلت إيران باتفاق مع أمريكا، وتفاهمت معها على حدود دورها في المنطقة، مثلا، وليس في العالم كما تريد؟ فهل سينحسر دورها؟ أم تتقاسمه مع إيران؟

وفي المقابل

     ماذا ستفعل الدول العربية التي تتحالف مع «إسرائيل» وتطبع معها وتتجه نحو الاعتراف بالأطروحة العقدية التوراتية في الصراع مع «إسرائيل» أملا في تلقي الحماية منها!؟ لمن سيؤول أمنها؟ لـ «إسرائيل»؟ أم لأمريكا؟ أم لإيران؟ 

    الظاهر والأكيد فيما يجري أن:

  •  المرابط الدولية الثلاثة باتت في مهب الريح. فالأمني تحطم في الشام، واليهودي مرعوب في القدس، والعقدي في مكة تم ترحيله إلى حرب الردة وسيداو ومنتجاتها من الشذوذ والإلحاد.
  • ما من قوة قادرة على حسم أمر المنطقة أمنيا أو عسكريا. لذا فثمة فرصة كبيرة جدا، لاختراق كل منظومات النظام الدولي فيها، بما فيها الأمنية، القائمة والمرشحة.
شارك عبر
كاتب وباحث أكاديمي ومراقب لأحوال الأمة وقضايا العالم الكبرى.
جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
0
أضف تعليقx
()
x