تأريخ التاريخ: “نظرة على المؤرخين الإغريق”

 “التاريخ مثل العجلة التي تدور، وتعيد نفسها مراراً وتكراراً؛ لأن طبيعة البشر لا تتغير كثيراً بشكلٍ كبير؛ فما حدث من قبل، سيحدث مرةً أخرى.”

هكذا وصف الكاتب والروائي الأمريكي الشهير جورج آر. آر. مارتن؛ التاريخ، وهو بالمناسبة صاحب السلسلة الروائية ذائعت الصيت (أغنية الجليد والنار) التي جسدت على الرآئي – التلفزيون – باسم (صراع العروش).

على عكس ما أشار إليه خليفة المسلمين السلطان الخان عبد الحميد الثاني، حيث قال:

“الأخطاء هي من تعيد نفسها، وليس التاريخ.”

أما الكاتب الفرنسي والشاعر ألفونسو لامارتين، فنراه يوافق قول الخان عبد الحميد في نظرية التعلم من أحوال التاريخ، حيث يقول:

“التاريخ يعلم كل شيء؛ بما في ذلك المستقبل.”

لايخالكم رأيه في التنبؤ بالمستقبل أنه إرشادٌ الى عمل السحرة والكهان؛ بل قصد أن التاريخ: يكرر نفسه من حيث الحوادث؛ عند ذلك يسهل علينا التنبؤ بالمستقبل؛ لتشابه حوادث الأمس مع الحاضر.

وعلى الجهة الاخرى نرى إبن خلدون يعجن فكرته حول التاريخ بعلم الإجتماع العمراني، فيقول بحس ٍفلسفي:

“إن التاريخ في ظاهره: لا يزيد عن الأخبار؛ ولكن في باطنه: نظر وتحقيق.”

وقوله هذا المختلف كلياً عن أقوال الآخرين ليس بالغريب ولا بالصادم؛ فهو كما نعلم مؤسس علم الإجتماع، القاضي: بالنظر إلى الأحداث الأنسانية من من منظور أفعال الأفراد في المجتمع الواحد، ومقارنتها مع المجتمعات الأخرى؛ السابق منها والحاضر. 

  وإذا أردنا أن نفهم التاريخ فيتوجب علينا اولاً أن نعرف تقسيمات التأريخ:

أ- التأريخ الخبري: وأول القائمة هو التأريخ الخبري او التقريري. كأن تقول: ولد فلان بن فلان سنة 1000، حفظ القرآن في السابعة من عمره، وصحيح البخاري في الثالثة عشر، تزوج، فأنجب، ثم توفي سنه 1080.

ب- التأريخ القصصي: وهو ان تسرد سيرة شخصيةٍ ما بأسلوبٍ روائي، مثل قصص: عنترة العبسي، وأبو زيدٍ الهلالي. كما نرى ذلك في المسلسلات الشاميه القديمة؛ حيث يقوم الحكواتي في المقهى بسرد كهذه القصص والحكايا التاريخية للناس؛ بغرض الإستمتاع اولاً، والتعلم ثانياً.

جـ- التأريخ التربوي: وهو ان تستخلص العبر من قصةٍ بعينها، حول شخصيةٍ ما؛ لاتخاذها قدوةً في حياة النشأ، مثل: سيرةِ نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وجميع الأنبياء -عليهم السلام-، وجل الصحابة -رضوان الله عليهم-.

د- التأريخ التحقيقي: وهو إيراد واقعةٍ تاريخيةٍ، ثم التساؤل عن أسباب ونتائج وقوع هذه الحادثة. كما في قصه الفتنة الحاصلة في عهد الصحابة، بين سيدنا علي ومعاوية -رضي الله عنهما-.

هـ- التأريخ الإجتماعي: وهو مصطلح حديث نسبياً، يفيد: القول بأن المعطيات الإجتماعية ولدت أحداثاً تاريخيةً،  وأن هناك قوانين تاريخية؛ مخفية وراء هذه الحوادث.

و- التأريخ المادي: أو الماركسي؛ وهو كما موضح من اكتشاف كارل ماركس؛ أب الفكر الشيوعي، ويفيد: ربط الاحداث التاريخية عموماً بالمال، والاقتصاد حيث يمكننا القول: أن ماركس وأنجلز استخدما الجدلية كقانون بيئي في الطبيعة؛ لفهم العملية الإجتماعية التاريخية. وذلك بعد ان حدداها كقانون للبيئة الطبيعية، وقد أطلقا على هذا النظام مسمى: المادية التاريخية.

ز- التأريخ الثقافي: ويعني ان لفهم التاريخ وتبيانه يجب علينا؛ فهم الثقافات بدلاً من تقييمها. وايضا القول: استكشاف التاريخ للروابط الداخلية بين الأحداث والظواهر؛ اجدر من مجرد معرفة السبب والنتيجة.

 الآن بعد أن وضعنا أيدينا على أقسام التاريخ، وفهمناها تفصيلاً وإجمالاً؛ حان الوقت لأن نبين بعض المفاهيم الخاصة بالتاريخ.

– بداية مع التاريخ الدائري: وهو مصطلح يشير؛ إلى ان التاريخ يكرر نفسه بشكل دائري. وهو بالمناسبة أول وجهات النظر بشان فهم التاريخ عموماً.

– ولدينا ايضا التاريخ الخطي: وقد ظهر مع نشوء الديانتين: اليهودية والنصرانية. وتفسيره: أن كل شيء يحدث مرةً واحدةً، ولا احد أبدي غير الله -جل جلاله-.


هذا من ناحيه بيان التاريخ ومفاهيمه المختصة به، بدءاً من وصف طريقة تأريخه إلى وصف نوعه. واذا ما دققنا، نرى أن الإنسان لا تكمن أفعاله؛ إلا كردة فعل للطبيعة من حوله، وإذا ما تيسرت الأمور لفعل ذلك. ومن هذه الامور: إنشائه للحضارات؛ فالإنسان بطبيعته: “حيوان سياسي” كما قال أرسطو: أي يحب المخالطة، وراغبٌ في العيش داخل المجتمع؛ بدلاً من العيش وحيداً في الكهوف والأدغال. الحضارات نشأت على قيام الدول؛ والدول بدورها نشات لحفظ الحقوق والحياة البشرية والتكافل الإجتماعي، فظهر عند ذلك مهنة التدوين في كثير من الحضارات القديمة، وكان أبرز من اعتنى بها: الحضارة اليونانية/الإغريقية: التي برز فيها مؤرخون كانوا منارةً في التاريخ الانساني، نذكر على سبيل المثال لا الحصر:

هوميروس: وهو الذي انتهج الجانب الروائي، ومن أشهر أعماله: الأوديسا والإلياذة. حيث نرى في اعماله اول وجودٍ للآلهة الإغريقية في الحياة البشرية، والتي اظهر فيها هوميروس تدخلها المباشر في حياة الإغريق.

هيروديت: هناك أيضاً الكاتب والرحالة هيروديت. الذي طاف الانحاء والبلاد، واخذ يكتب ويدون ما رآه. واهم ما نلحظ في كتاباته: هو مقارنته بين الحضارات، وخصوصاً بين المصرية واليونانية. فكثيراً ما صرح هيرودوت: بتفوق الحضارة المصرية على نظيرتها اليونانية، هذا بالاضافه الى تاثر الإغريق بآلهة المصريين القدماء؛ حتى قاموا باستنساخها. وقد الف هيروديت كتابه الشهير: “تاريخ هيروديت” الذي دون فيه جميع ما رآه في رحلاته الطويلة. وهذا الكتاب يعد من الأعمال الأولى في التاريخ الأدب اليوناني خاصةً. وقد كتبه فيما بين 450-420 ق.م.

وهناك أيضا مؤرخٌ يوناني، وصف بأنه اول كاتب ومراسل منتظم المواعيد؛ هو ثوقيديد أو ثوقيديدس: ويعد أول المؤرخين اليونانيين الذي اعطي للعوامل الإقتصادية والإجتماعية أهميةً خاصة، ويعتبر من الآباء المؤسسين للعلاقات الدولية؛ وذلك بسبب كتاباته للعلاقات بين أثينا وإسبارطة أثناء الحرب التي دارت بين الحضرتين. كما أنه أول من أشار إلى مصطلح المناعة؛ إذ أنا أثينا قد أصيبت بالطاعون خلال الحرب، فلاحظ أن الذين أصيبوا بالطاعون؛ شوفيوا منه، ولم يعد إليهم المرض. ومن أبرز أعماله التاريخية هو كتابه: (تاريخ الحرب البيولويترية)، ترجمه كلّ من دنيا الملاح وعمر الملاح، 2003 عن دار أبو ظبي: المجمع الثقافي للنشر.

وأخيراً المؤرخ والناقد الإغريقي بلوتارك أوبلوتارخس؛ وهو يعتبر من أكبر مؤرخي السير والتراجم في التاريخ، من أشهر أعماله: (سير متوازنه)؛ حيث وضع فيها مقارناته بين الشخصيات اليونانية بموضوعية ونزاهة تامة. وهو الذي وضع العبارة القائلة: “هذه الأحداث حدثت لهذا السبب.” بدلاً من: “هذا هو سبب هذه النتيجة.”.

ونرى أيضاً مؤرخين أُخر، امثال: بوليبيوس اليوناني عاش عام 200 ق.م. وهو بالمناسبة مؤسس النظرية الدورانية التي استخدمها افلاطون، وطورها من بعده أرسطو. وهي نظرية إجتماعية تقول: بان النظم السياسية لها حركة دوران. وتستند على أن الحكم في اليونان قائم على:
الحكم من قبل شخص، والحكم من قبل افراد، والحكم من قبل عددٍ كثير. وتنص في آن الأمر على أن هناك ثلاث نظم أساسية من الحكم تعتبر حميدة: الملكي، والإرستقراطي (حكم النبلاء الأشراف)، والديمقراطي (حكم الشعب).
وأن هناك ثلاثةمن الحكم تعتبر خبيثة: الإستبداد الفردي، والأوليغاركية (النبلاء ذوي الأطماع والمصالح  الشخصية)، وحكم الدهماء (وهو حكم ديمقراطي؛ لكن يشوبه الإستبداد تحت تأثير اللامنطق؛ بدلاً من تحكيم العقل والمنطق، وتغليب المصلحة العامة على الشخضية).

أيضاً هناك مؤرخين أمثال:

ناكيتوس: الذي عاش ما بين 56-117 ق.م. وهو القائل:
“بأنه من الواجب على الإمبراطورية الرومانية ان تقوم على إرادة الآلهة.”


لقد كانت آراء هذا المؤرخ دليلاً واضحاً، وعاملاً مهماً في إظهار الجانب الإستعماري للإمبراطورية الرومانية. 

  نهايةً: نرى كم الأهمية التي أحدثتها حركة التأريخ عبر تاريخنا الإنساني الحضاري، والدور الذي لعبته في تقريب وإيضاح أفكارنا حول المجتمعات الإنسانية القديمة؛ ومن ثم فهمها؛ فتطورنا.

شارك عبر
جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
1
0
أضف تعليقx
()
x