السؤدد بالحلم

في دمشق حاضرة الخلافة الإسلامية الأموية، وقف أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- يخطب في الناس آمراً إياهم بمبايعة ابنه يزيد. نهض أثناء ذلك ابن المفقع العذري قائلاً للجموع -شاهراً بسيفه-: هذا هو الخليفة -مشيراً إلى معاوية- فإن هلك؛ فهذا -مشيراً إلى يزيد- فإن أبيتم؛ فهذا -رافعاً سيفه-. فقال له معاوية -رضي الله عنه-: اجلس فأنت سيد الخطباء. ثم التفت إلى الأحنف بن قيس سيد بني تميم قائلاً: ماذا تقول يا أبا بحر؟ فقال: نخافكم إن صدقنا، ونخاف الله إن كذبنا. وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره، فإن كنت تعلمه للأمة خيراً؛ فلا تشاور فيه، وإن كنت غير ذلك؛ فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة.

وتفرق الناس.. وهم لا يذكرون من الإجتماع إلا قول الأحنف بن قيس، وقد أضمر معاوية -رضي الله عنه- هذه الواقعة في نفسه، وأراد أن ينتقم من الأحنف. فسلط عليه رجلاً أبلهً، وجعل له مكافئة إن صفع سيد بني تميم؛ فتضيع مكانته في قومه إن تمسك بالحلم، ورضي بالصفعة، وإذا ثار وغضب يقولون: ضاع حلمه ودهاؤه أمام مجنون.
وهذا ما حدث.. تقدم الرجل المجنون ولطم الأحنف بن قيس. فرد الأحنف بهدوءٍ وسكينة: لم لطمتني؟ قال الرجل: جُعِل لي جعلاً أن ألطم سيد بني تميم. فقال الأحنف بدهاء وحنكة: ما صنعت شيئاً، عليك بحارثة بن قدامة؛ فإنه سيد بني تميم. فانطلق الرجل ولطمه؛ فقطع ابن قدامة يده فوراً! وهذا ما أراده الأحنف؛ إذ رد اللطمة بأشد منها بهدوء وذكاء شديد.

الأحنف هذا اسمه الحقيقي الضحاك بن قيس، وهو تابعي جليل، أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره، لقِّب بالأحنف؛ لحنف في قدمه (عوج). قيل له ذات مرةٍ: مما تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم -وهو صحابي-، رأيته بفناء داره، محتبياً بحمائل سيفه، يحدث قومه، حتى اُتي برجلٍ مكتوف، ورجلٍ مقتول. فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك. فوالله ما حل حبوته، ولا قطع كلامه، ثم التفت إلى ابن أخيه وقال له: يا ابن أخي أثمت بربك، وقتلت ابن عمك. ثم قال لابن له آخر: قم يا بني فوارِ أخاك، وحل كتاف ابن عمك، وسق إلى أمه مائة ناقة دية ابنها، فإنها غريب.

وقد سأل العالم المجاهد المرابط عبد الله بن مبارك الأحنف بن قيس: بم سودوك؟ قال: لو عاب الناس الماء لم أشربه. وقال في موضع: ما نازعني أحدٌ إلا أخذت أمري بأمور: إن كان فوقي عرفت له قدره، وان كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه. وقال: لست بحليم ولكنني أتحالم.
وقد قيل فيه أنه كان زياد بن أبيه معظماً للأحنف فلما ولِّي بعده ابنه عبيد الله، تغير أمر الأحنف، وقدم عليه من هو دونه، ثم وفد على معاوية في الأشراف. فقال معاوية لعبيد الله: أدخلهم على مراتبهم، فأخر الأحنف. فلما رآه معاوية أكرمه لمكان سيادته. وقال: إلي يا أبا بحر. وأجلسه معه وأعرض عنهم. فاخذوا في شكر عبيد الله بن زياد وسكت الأحنف. فقال له: لماذا لا تتكلم؟ قال: إن تكلمت خالفتهم. قال: فاشهدوا أني قد عزلت عبيد الله. فلما خرجوا كان فيه ممن يروم الإمارة، ثم أتوا معاوية بعد ثلاث وذكر كل واحد شخص وتنازعوا. فقال: معاوية: ما تقول يا أبا بحر؟ قال: لو وليت أحداً من أهل بيتك لم تجد مثل عبيد الله بن زياد، فقال: قد أعدته. فخلا معاوية بعبيد الله بن زياد وقال: كيف ضيعت مثل هذا الرجل؟ الذي عزلك وأعادك وهو ساكت! فلما رجع عبيد الله جعل الأحنف بن قيس صاحب سره، ومستودع مشورته.

وإن كنا نتحدث عن تابعيٍّ جليل فلأنني لم أشأ أن يُخيّل للبعض عندما أذكر صحابي -خصوصاً ما إذا كان من كبار الصحابة- أن الصحابة كانوا فوق ما نتصور من فضائل الأخلاق؛ وهذا على إنكاري إياه جملةً وتفصيلاً إلا أنني أخذته بعين الإعتبار، لكنني الآن لن أتوانى عن ذكر خصائل لصحابي اشتُهر بعلمه، وصفحه، وحلمه، ورويته، فضلاً عن حنكته السياسية والإدارية. وهو: خال المسلمين، أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه وعن أبيه-.

في يومٍ كان عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- في مزرعته التي كانت مجاورةً لمزرعة معاوية -في خلافته- دخل عمال معاويه على مزرعته، وكان قد تكرر ذلك منهم أنفاً وكثيراً، فغضب ابن حواري رسول الله وكتب إلى معاوية في دمشق وقد كان بينهم عداوة قائلاً في كتابه: “من عبد الله بن الزبير إلى معاوية ابن هند آكلة الأكباد، أما بعد: فإن عمالك دخلوا إلى مزرعتي، فمرهم بالخروج منها؛ فوالذي لا اله الا هو ليكونن لي معك شأن.” وصلت الرسالة لمعاوية فقرأها، ثم قال لابنه يزيد: ما رأيك في ابن الزبير؟ أرسل لي يهددني. فقال له ابنه يزيد: أرسل له جيشاً أوله عنده، وآخره عندك؛ يأتيك برأسه. فقال معاوية: بل خيراً من ذلك زكاةً وأقرب رحماً. فكتب رسالةً إلى ابن الزبير يقول فيها: “من معاوية بن أبي سفيان إلى عبد الله بن الزبير ابن ذات النطاقين، أما بعد: فوالله لو كانت الدنيا بيني وبينك لسلمتها إليك، ولو كانت مزرعتي من المدينة إلى دمشق لدفعتها إليك. فإذا وصلك كتابي هذا فخذ مزرعتي إلى مزرعتك، وعمالي إلى عمالك؛ فإن جنة الله عرضها السماوات والارض”. فلما قرأ ابن الزبير الرسالة؛ بكى، وسافر إلى دمشق وقبل رأسه، وقال له: لا اعدمك الله حلماً أحلك في قريش هذا المحل.

وقد كان أمير المؤمنين معاوية -رضي الله عنه- مضرباً في الحلم والدهاء، هو وكل بني أمية. حتى قال ذات مرة: “إن لم يكن الأموي حليماً فقد  فارق أصله وخالف آباءه”. وكان يقول: “يا بني أمية فارقوا قريشاً بالحلم، فوالله لقد كنت ألقى الرجل في الجاهلية؛ فيوسعني شتماً وأوسعه حلماً، فأرجع وهو لي صديق، فإن استنجدته؛ أنجدني، وأثور به؛ فيثور معي. وما وضع الحلم عن شريف شرفه، ولا زاده إلا كرماً”.

ومما روي عن حلم معاوية ما رواه السهيلي في كتابه (الروض الأنف): مر معاوية وهو يطوف في البيت ومعه جنده، فزاحموا السائب بن صفي بن عباد، فسقط فوقف عليه معاوية -وهو يومئذٍ خليفة-، فقال: ارفعوا الشيخ. فلما قام قال: ما هذا يا معاوية؟ تصرعوننا حول البيت؟ أما والله لقد أردت أن أتزوج أمك! فقال معاوية: ليتك فعلت؛ فجاءت بمثل أبي السائب -يعني عبد الله بن السائب-.

وكان يقول: لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ الرجل ذلك إلا بقوة الحلم”. و قال ذات مرة رجل لمعاوية: من أسود الناس؟ فقال: “أسخاهم نفساً حين يسأل، وأحسنهم في المجالس خلقاً، وأحلمهم حين يستجهل”.

وقد أجمل الذهبي في وصفه، وذلك في كتابه الشهير (سير أعلام النبلاء): حسبك أن يأمره عمر ثم عثمان على إقليمٍ فيضبطه، ويقوم به أتم قيام، ويرضى الناس بسخائه وحلمه، وإن كان بعضهم تألم مرةً منه؛ وكذلك فليكن الملك.

ألا إنّ حلم المرء أكرم نِسبةٍ

تسامى بها عند الفخار حليم

فيا ربّ هبْ لي منك حِلماَ فإن

ني أرى الحِلم لم يندم عليه كريمُ

المصادر:

– سير أعلام النبلاء للذهبي

– الروض الأنف لأبو القاسم السهيلي

شارك عبر
جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
0
أضف تعليقx
()
x