أصلحوا سرائركم يصلح حالكم.

شعار موقع بصرى الشام

السرائر سر بين العبد وربه، حيث يقبل الله سبحانه الطيب الصالح منها ويرد الخبيث الفاسد، لكنه سبحانه وفي كلتا الحالتين يكشف سريرة البشر ويظهرها على هيئة عمل صالح، أو يفضحها بعمل فاسد، أما في الآخرة فستختبر السرائر وتبلى ليظهر ما فيها جليا على حقيقته من صدق وإخلاص أو كذب ونفاق. يقول الله سبحانه: إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10).

إن صلحت السريرة صلح القول والعمل وصلح الجسد بل وصلح الحال كله، فصلاح الظاهر من صلاح الباطن، لأن عمل القلوب خير وأهم من عمل الجوارح، فهو يتضمن إخلاصَ الدين لله، والنصح له ولعباده، وسلامة القلْب من الغشِّ والحسَد والحِقْد على المسلمين.

يقول الإمام ابن القيم يرحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: (يَومَ تُبلَى السَّرَائِرُ): (وفي التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة، وهو أنَّ الأعمال نتائج السرائر الباطنة، فمن كانت سريرتهُ صالحة، كان عمله صالحًا، فتبدو سريرته على وجهه نورًا وإشراقًا وحياء، ومن كانت سريرته فاسدة، كان عمله تابعًا لسريرته، لا اعتبار بصورته، فتبدو سريرته على وجهه سوادًا وظلمة وشينًا، وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته، فيوم القيامة تبدو عليه سريرته، ويكون الحكم والظهور لها.

قبل أيام ظهر تسجيل صوتي مسرب لشخص يدعى أبو الفضل منبج، قيل إنه قاض بمحكمة الأسرة التابعة لهيئة تحرير الشام في سلقين بريف إدلب، حيث ظهر الرجل متشفيا بما يحدث لأحياء درعا البلد من حصار وقصف وقتل وتهجير، داعيا لعدم قيام الفصائل ومنها الهيئة بواجب النصرة لمسلمين محاصرين، يواجهون آلة القتل والقمع الطائفي، محملا إياهم المسؤولية رغم كل ما يكابدونه من ألم وحسرة.

كان الحديث مليئا بالتشفي والمناطقية والعنصرية وهو ما يتنافى مع المركز الذي يحتله هذا الرجل كقاضي محكمة يفترض أنه يعلم الحلال والحرام وحدود ما أنزل الله وبالتالي كان يستطيع أن يجمع ولا يفرق بنصح أو دعاء أو أن يلتزم الصمت على أبعد تقدير بدل التحريض الذي ظن أنه لن يصل لأحد أو أن الله لن يفضح سريرته بما خرج على لسانه.

ما هكذا يكون المسلم ولا هكذا تكون أخلاقه فكيف بنا وهو ينتحل منصبا شرعيا يقضي من خلاله بدماء وأعراض وأموال الناس، وسيسأل عنه أمام الله؟

هذه الحادثة وما يمارسه أمنيو الهيئة من تجاوزات بحق المسلمين في مناطق سيطرتهم من قتل واعتقال واغتصاب وتعذيب وإعدامات لكل من يظنون أنه خطر عليهم أو مطلوب بحجة التطرف والإرهاب, وما يمارسه جلاوزتهم من أفعال شائنة وصلت حد تطليق النساء من أزواجهن ومراودتهن عن أنفسهن وخاصة الأسيرات والمعتقلات المسلمات، كل هذا يذكرنا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول: إنَّها ستَأتي على الناسِ سُنونٌ خَدَّاعَةٌ يُصَدَّقُ فيها الكاذِبُ ويُكَذَّبُ فيها الصادِقُ ويؤتَمَنُ فيها الخائِنُ ويُخَوَّنُ فيها الأمينُ ويَنطِقُ فيها الرُّوَيبِضَةُ قيل وما الرُّوَيبِضَةُ قال السَّفِيهُ يتكَلَّمُ في أمرِ العامَّةِ.

وإنه لعمري زمن لم يعد ينطق فيه الرويبضة فحسب بل وأصبح يتقلد مناصب قيادية وشرعية ويفتي بالباطل ويضلل الناس ويقودهم لمهاوي الردى، يخشون الناس ولا يخشون الله سبحانه، ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108]،

إنه حب الدنيا والمناصب والوهن قذفه الله في قلب الناس الا ما رحم ربي. ففي الحديث الصحيح، عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك الأمم أن تداعى عليكم، كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السَّيل، ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت.

عن ابن عيينة – رحمه الله تعالى قال: إذا وافقت السـريرة العـلانية فذلك العدل، وإذا كانت السريرة أفضل من العلانية فذلك الفضـل، وإذا كانت العلانية أفضل من السريرة فذلك الجور.

وعن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، قال: قيل لحمدون بن أحمد، ما بال كلام السلف أنفعُ من كلامنا؟! قال: لأنَّهم تكلموا لعزِّ الإسلام، ونجاة النفوس، ورضا الرحمن، ونحن نتكلمُ لعز النفوس، وطلب الدنيا، ورضا الخلق

مصير الإنسان متوقف على هذه السرائر إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.. وحظ العامل من عمله، نيته وسريرته التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى، فالسريرة سبب لحسن الخاتمة أو سوئها، فمن أسرّ السرائر الحسنة وفقه الله تعالى لحسن الخاتمة وبلغه مناه وما ابتغاه، ومن أسرّ سرائر الشر عثر بخاتمة السوء وميتة السوء، وتوفاه مغضوباً عليه.

والسريرة إذا صلحت صلح شأن العبد كله، وصلحت أعماله الظاهرة ولو كانت قليلة، والعكس من ذلك عندما تفسد السريرة، فإنها تفسد بفسادها أقوالُ العبد وأعماله، وتكون أقرب إلى النفاق والرياء عياذًا بالله – تعالى -، ويوضحُ هذا الأمر قوله: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.

يقول عثمان بن عفان رضي الله عنه: يأيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر فإني سمعت رسول الله يقول: والذي نفس محمد بيده، ما أسرّ أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ثم قرأ الآية (ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون).

السرائر ستكشف وتظهر يوماً ما رغم أنف الإنسان فإما أن تكون رفعة ومنزلة ومقاماً عند الله عز وجل وإما أن تكون ذلاً وخزياً وفضيحة، يقول الله تعالى عن يوم القيامة (يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر).

يقول ابن القيم يرحمه الله: أي تختبر وتظهر وتبدو في ذلك اليوم حتى يظهر خيرها من شرها ومؤديها من مضيعها – يعني ما حمّل العبد من الشريعة والإيمان ومتابعة رسول الأنام – وما كان لله مما لم يكن له.

يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: يبدي الله يوم القيامة كل سر فيكون زيناً في الوجوه وشيناً فيها والمعنى أنها تخبر هذه السرائر بإظهارها وإظهار مقتضياتها من الثواب والعقاب والحمد والذم.

إذا غاب الوازع الديني والأخلاقي ذهبت التقوى وانعدمت الفضيلة، وفسدت السرائر وعميت البصائر، وحل الخبث والمكر ودمرت أسس حياة البشر فتحولوا لمجرد مخلوقات لا ذمة لها ولا عهد، همها الوحيد إشباع غرائزها ورغباتها.

شارك عبر

كاتب وباحث سياسي سوري, منافح عن عقيدته غيور على أمته فخور بعروبته, من أوائل الذين إنخرطوا في العمل الثوري ضد نظام الأسد, شاركت في تأسيس العديد من الهيئات والإتحادات الثورية السورية, كتبت للعديد من المواقع والصحف السورية والعربية, كما انني شاركت بعشرات المداخلات التلفزيونية والإذاعية على الجزيرة وغيرها من المحطات التلفزيونية والإذاعية.

جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
2
0
أضف تعليقx
()
x