النقش على السطور

شعار موقع بصرى الشام

تتطاير الكلمات فوق رأسك، والأحرف مشتتة أمام عينيك ، تظن أن دماغك يستوعب ترتيبها وحفظها، وربما ظننت قلبك يفعلُ، وربما تعتقد الزمان لا يغير ما في قلبك وعقلك المزين؛ هنا توقن أن لهذا السبب وجدت الكتابة. قديماً كان الناس يتحادثون ويتدارسون في ما بينهم بعبارات فحواها الإختصار دون الإطالة، والعمل السهل دون الجهد؛ ولكن ما فعلوه لم يكن يطورهم فالإنسان من نسيانه سُميَ . تراهم يُحصِّون العلوم من مرافقة الزمن، والخبرات من الممارسة؛ لكن ما أن يأتي الجيل الذي بعده يكون نصف الذي حصلوه قد مُحيَ بالنسيان. إلى أن جائت حضارات كالفينيقيين، والبابليين، والآشورييين، واليونانيين، والفراعنة، والصينيين؛ الذين استخدموا الكتابة في حفظ تاريخهم، على الرغم من ان الكتابة في عهدهم لما تكن على أحرف؛ إنما على جمل، أو كلمات، برموز مختصرة تُعبِّر عن فِكرة مُعينة.

كالمصريين مثلاً؛ تراهم يستخدمون رسوماً مثل الطائر والأفعى والخيل في تعبيرهم عن موضوعٍ معين. فكيف نقول عن قدرة المصريين في بناء الصروح كالأهرامات والمعابد والقصور وما نحوها، وتناقلها صناعتها في ما بينهم من خلف عن سلف؟ أتراهم لم يحتاجوا الى الكتابة على السطور وإنما اكتفوا بالنقش على الصدور؟ وإذا نظرت إلى الصينين كيف برعوا بفن الحروب وإلقاء الحكم، وبزوغ نجم كونفشيوس الفيلسوف الصيني، الذي وضعوه في مرتبة النبي، وغدت وصاياه نبراساً تضيء للشعوب الصينية طريقها، وخلدت آرائه إلى عصرنا هذا؟ أو انظر إلى اليونان؛ كيف فاقوا الأمم بالفلسفة والطب والهندسة، وأمست نظرياتهم قواعد فلسفية كثيرٌ منها لا جدال في صحتها، أو أصبحوا مقياساً لتأريخ هذه الصناعات العلمية؟ أو إلى مقدونيا؛ كيف جعلوا من مكتبة الإسكندرية صرحاً عامراً عبر العصور؟ أو إذا شئت انظر الى البابليين؛ وإلى أسس العدل التي رسخُوها وطَبّقوها؟ وكيف وصلت إلينا واقتبست كثير من الدول المعاصرة قوانينها ودستورها وطبقتها على شعوبها؟

هذه الحضارات عرفت معنى الكتابة وأهميتها، حتى جائت الأمم التي بعدها واستفادت من خبرات التي قبلها. إذاً فهي الوسيلة الرئيسية لحفظ العلوم، والخبرات، والتجارب الحياتية، والاستنتاجات، والآراء، والأقوال، والسير، والأحداث التاريخية؛ فبدونها سيبدأ كل من يحاول إضافة شيء إلى مسيرة الإنسانية من الصفر، ولن يكون هناك أي نوع من أنواع تراكم العلوم، أو الخبرات. ونرى عبر التاريخ أن الفينقين هم واضعي أساس الكتاب، الألفبائية؛ إذا ألفوا حاجتهم الملحة لتسجيل عملياتهم الحسابية، والتجاربة.

ومن أشههر وأقدم ما وصل إلينا (ملحمة جلجامش)؛ والتي تعتبر من أساطير العهود القديمة، وأخص بها دولة الوركاء السومرية، وهي واحدة من إنجازات حضارات بلاد الرافدين التي تزخر بالكثير والكثير من الفنون والعلوم، التي كان لها الأثر الكبير في تطور الحضارات الإنسانية. نبصر هذه الملحمة التي دارت في فلك الملك جلجامش؛ الذي اشتُهر بالظلم، ووبال الحكم، إلى أن استطاع شعبه أن يستعينوا بإنكيدو، ليصبح عدوه، ثم ما يلبثوا حتى يتصاحبا الإثنان، ويغدوان رفيقين، قبل أن يأتي اليوم الذي يموت فيه صديقه العزيز، فيسيح جلجامش في الأرض، باحثاً عن سر الخلود. هذه الملحمة العظيمة، لم تكن لتصلنا لولا تدوينها على لوح من حجر!

نهايةً يقول أبو عثمان الجاحظ: “يذهب الحكيم وتبقى كتبه، ويذهب العقل ويبقى اثره.”

فما الذي جعل أرسطو وأفلاطون وفيثاغورث والغزالي وابن رشد وابن خلدون ونحوهم أباطرة الفكر والعلم عبر التاريخ ؟ل يس فكرهم فحسب إنما تدوينهم لأفكارهم. كان قد قال لي أبي ذات مرة: هناك أئمة كانوا بنفس مستوى الأئمة الأربعة أو أعلم منهم: كسفيان الثوري، والأوزاعي، وسفيان بن عيينة…؛ ولكن اختفت جل أرائهم عن الناس بسبب تقاعس تلامذتهم عن تسجيل أفكار شيوخهم.

اكتب ولا تخشى الكتابة ، قد يكون ما كتبته سيئاً لكن هذه هي الطريقة الوحيدة لفعل عمل جيد، وتذكر ما قاله دوجلاس آدامز: “الكتابة عمل سهل؛ فليس عليك الا ان تحدق في ورقة بيضاء الى أن تنزف جبهتك.”

شارك عبر
جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
1
0
أضف تعليقx
()
x