مقتل روسيا!


سؤال لابد منه بدأ يتردد في الوسط الدولي، لماذا تلكأت القوات الروسية على أعتاب كييف وتراجعت؟


من المعروف أن العقيدة العسكرية الروسية هي نفسها المتوارثة من الحرب العالمية الثانية والمعتاشة على أوهام اقتحام برلين…هذه العقيدة ملخصها قصف قوات العدو برا وجوا وبحرا بما يعرف في العلم العسكري برمايات التمهيد يعقبها اندفاع قوي للدرع تحت غطاء هذا القصف بحيث يحقق احتلال أكبر مساحة ممكنة من أراضي العدو بعد تدمير دفاعاته الرئيسة …هذه العقيدة توارثتها القوات العربية لاسيما الدائرة في الفلك الروسي وقد شهدناها في حرب أكتوبر التحريكية بغض النظر عن اتفاق حافظ / السادات / كولدمائير / كيسنجر …فالعسكريون بعيدون عن قذارة السياسيين، وهذا ما اتضح من خلاف السادات مع الفريق سعد الدين الشاذلي، وما نتج عنه من تدمير 250 دبابة t72 وهي قوات النخبة المصرية التي تجاوزت خط بارليف من دون غطاء جوي…

ثم كارثة تدمير 630 دبابة سورية في سعسع وانفتاح الطريق نحو دمشق لولا وصول الجيش العراقي وصده لقوات العدو وطرده خارج خط آلون …

والعراق نفسه اتبع الأسلوب نفسه مع إيران قبل أن يكتشف خطأه فيتحول عنه…

أما العقيدة الغربية وخاصة الأمريكية، فتقوم على نظرية (الطرق على الرأس حتى ينهار الجسد) بمعنى ان هناك بنكَ معلومات يجسّد أهم عوامل الحياة عند العدو فتقوم القوات الجوية، وقوات الصواريخ والقوات البحرية حسب الخارطة العسكرية بالعمل كمنظومة واحدة لتدمير هذه الأهداف على شكل غارات متتالية لاتترك بها موقعا أو مطارا أو ميناء، وكذلك البنى التحتية للدولة بكل أشكالها بحيث تُشل هذه الدولة تماما عندئذ تبدأ القوات البرية بالتقدم الحذر، ويكون تركيزها على العاصمة لإسقاط الدولة …

وقد اتبعت أمريكا هذه النظرية في أفغانستان والعراق… أما روسيا فقد اتبعت خطتها البالية، فاندفعت قواتها إلى مشارف كييف وكلها ثقة أنها ستنهي أمرها خلال أسبوع، فتبين أن حلف الناتو قد عرف أن روسيا بدءا من عام ٢٠١٤م ستقوم بهذا العمل لعدة أسباب حيوية عرف الناتو كيف يجعل بها أوكرانيا فخا لها، وعليه فقد زود أوكرانيا بكل المضادات المناسبة للأسلحة الروسية، ودرب الجيش الأوكراني على طريقة اصطياد الدرع الروسي وتقطيع أوصال الرتل المندفع، وواضح أن الأقمار الصناعية الأمريكية قد رصدت احتلال الجيش الروسي لقاعدة الهجوم، ورسمت محاور تقدمه، فوزعت القوات الأوكرانية، ولاسيما القوات الخاصة منها على المناطق الرخوة للقوات الروسية، وحددت مصادر تموينه، وطرق إمداداته، فدمرت معظمها، بل وصلت إلى خزانات بليغورد على الحدود الروسية الأوكرانية…


لم يعد أمام الروس سوى إعادة الحسابات والانسحاب مضطرين من محيط كييف قبل أن يغوصوا أكثر في وحلها فيطبق الفخ عليهم من كل جانب … ومن يراقب الحدث اليوم يرَ أن الروس بدؤوا بتغيير أسلوبهم فهم يعتمدون على القصف النوعي المكثف، ويحاولون التقدم من الشرق واحتلال ماريبول وجعل بحر آزوف خاصا بهم للتقدم بشكل ممنهج وحذر وقضم المناطق خطوة خطوة، فهناك فرق بين احتلال الأرض وبين القدرة على الاحتفاظ بها، فكلنا يذكر أن القوات السورية في حرب تشرين وصلت إلى مشارف طبرية لكنها أخفقت في الإمساك بالأرض وإقامة موطىء قدم لها …


كذلك فإن ما أوقع الروس في الخطأ فضلا عن عقيدتهم العسكرية عامل الزمن، فقد كان الروس يأملون في احتلال كييف خلال خمسة أيام ووضع العالم في الأمر الواقع وفرض شروطهم كما يحلو لهم، وفاتهم أن الناتو أدرك هذا، فرسم لهم الفخ …اليوم أدرك الروس أن الحرب ستطول وسيكون لها صفحات مختلفة، وعليهم أن يتعاملوا مع الزمن كسيف مسلط على رقابهم ستكشف الأحداث عن أمور قد لاتكون في حساب الطرفين.

شارك عبر
جميع الحقوق محفوظة © 2023 شبكة بصرى الشام الإعلامية
0
أضف تعليقx
()
x